حكايات شيمو1

“عملتي إيه يا مريم؟ النيابة سابتك؟ الحقيني يا بنتي… الشرطة أخدت مفاتيح الشقة وشيّعوا قوة للبلد يفتشوا بيت أبوكي القديم!”
مسكت أمي من إيديها وشدتها بعيد عن الظباط، وقلت لها بصوت واطي وهو بيترعش من الغضب والذهول:
“آثار يا أمي؟! أبويا اللي كان بيعلم الناس الفضيلة يتاجر في الآثار؟! أختي وجوزها جابوا الرتب دي كلها منين؟ اتكلمي يا أمي وما تخبيش عليا حاجة تاني، كفاية كذب لحد كدة!”
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم وهي بتعترف باللي استخبى سنين:
“والله ما كان قصدنا يا مريم! جوز أختك هو اللي ورط أبوكي… من سنتين لما قفل شركته وبدأ ينصب، أقنع أبويا إن فيه بيت قديم ورثنا في البلد تحت منه حفر، وقال له الفلوس دي هتخلينا فوق السحاب، وأبوكي ضعيف وطمع عشان يؤمن مستقبل أختك بعد ما جوزها اتقبض عليه! الفلوس اللي كانت في شنطة هدى ما كانتش بس فلوس نصب… دي كانت عربون صفقة آثار كبيرة كان المفروض تتسلم الأسبوع ده!”
حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة حجم البشاعة. أبويا وطمعه، وأختي وششرها، وأمي بسكوتها وتغطيتها عليهم… كلهم اشتركوا في الجري\مة دي، وكانوا مستعدين يضحوا بيا وبسمعتي وبمستقبل ولادي عشان يغطوا على القرف ده!
في اللحظة دي، باب الرعاية اتفتح، والدكتور خرج ومعه ممرضين بيجروا. الظابط قرب منه بسرعة، والدكتور هز رأسه بأسى وقال:
“المريض فاق ووعيه رجع… بس الحالة حَرِجة جداً والقلب ضعيف أوي، هو طالب يشوف بنته مريم بالاسم قبل ما يدخل في غيبوبة تانية.”
الظابط بصلي وسابلي السكة: “ادخلي يا أستاذة… بس معاكي خمس دقائق بس.”
دخلت أوضت الرعاية المركزة. ريحة المطهرات والأجهزة اللي بتطاطي بصوت رتيب كانت ترعب. أبويا كان راقد، الأجهزة متوصلة بكل جسمه، وشه كان دبلان وأصفر زي الشمع. أول ما شافني، عينيه دمعت وبدأ يحرك شفايفه بصعوبة شديدة وهو بيمد إيده المرتعشة ناحيتي.
قربت منه، مسكت إيده اللي كانت ساقعة زي الثلج، وقلت بصوت مكسور:
“ليه يا بابا؟ ليه عملت فينا كدة؟ ليه ذبحتني أنا وولادي وأنا اللي كنت تحت جزماتكم بأكلكم من عرقي؟”
أبويا بدأ يبكي بصوت مهدود، وقال بفتات صوت طالع بالعافية:
“سامحيني يا مريم… الشيطان عماني… كنت عاوز أأمن أختك وعيالها بعد ما جوزها يتسجن… افتكرت إن الفلوس هتسترنا… أثرها عرتنا وفضحتنا في آخر أيامنا… سامحيني يا بنتي، إنتي الوحيدة اللي طلعتي بنظافة قلبك وشقاكي الحلال…”


