حكايات حماده

دمعت عينا إيمي وهي تمسك بيدي، لكنني طرحت السؤال الذي كان ينهق في عقلي كالناقوس: “وماذا عن وثيقة التأمين المكتوبة باسمي؟ لماذا أمن على حياتي بمبلغ ضخم إذا كان يحاول إنقاذي؟” ابتسم الدكتور هاريس ابتسامة باهتة مليئة بالمرارة، وأشار إلى تاريخ توقيع الوثيقة.
“فيكتور لم يُؤمن على حياتكِ ليكسب المال عند وفاتكِ. شركة التأمين هذه هي الغطاء المالي الذي كان يمول أبحاث المعمل الخاص الذي ننتج فيه هذا الدواء شهريًا. التكلفة كانت باهظة جدًا، وفيكتور أنفق كل ما يملك، بل واقترض مبالغ طائلة لضمان استمرار شحنات المركب في الطرود الشهرية. الوثيقة كانت شرط المعمل الوحيد: إثبات أن المريض المستهدف ما زال على قيد الحياة ويتناول العلاج، لضمان استمرار التمويل الأكاديمي للمشروع.”
صدمة تلو الأخرى كانت تهوي على رأسي. تذكرتُ نظرته اليائسة كل ليلة في التاسعة مساءً… لم تكن نظرة مجرم يترقب مو.ت ضح.يته، بل كانت نظرة رجل يرتجف خوفًا من أن تضيع زوجته من بين يديه إذا تفوتت رشفة واحدة. تذكرتُ عندما سكبتُ المشروب في أصيص النباتات فما.تت أوراقها، وفهمتُ الآن أن التركيز الكيميائي العالي للمركب هو ما أحرق النبتة. وتذكرتُ صراخه في وجهي عندما شك في أنني لم أشرب: “إذا كنتِ قد أحببتِني يومًا، فلا تفعلي ذلك مرة أخرى!”… لم يكن يهددني، بل كان يتوسل إليّ لكي لا أنزع حياتي بيداي.
ثم نظرتُ إلى الدكتور هاريس وسألته بقلب يخفق بشدة: “لكنني… لم أشرب قطرة واحدة منذ أن دخل فيكتور المستشفى قبل أسابيع. ماذا يعني هذا؟” شحب وجه الدكتور هاريس فجأة، وساد الصمت في الغرفة المغلقة. نظر الطبيب إلى تقرير التحليل الحديث الذي أجراه المعمل قبل قليل، ثم رفع عينيه إليّ بملامح حادة وقال: “هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلنا نغلق الباب يا سيدة كارتر… التحليل يظهر أن نسبة المركب في جسدكِ انخفضت إلى خط الحضيض، وهذا يعني أن الطفرة الجينية الاستوائية بدأت تنشط مجددًا في أوعيتكِ الد.موية الآن.”
اتسعت حدقتا إيمي، واقتنصت التقرير الطبي من على المكتب ببدن يرتجف، بينما تحولت نظرات الدكتور هاريس إلى مزيج حاد من الشفقة والهلع الداخلي. قال بصوت خفيض لكنه يقطع الأنفاس: “جسدكِ اعتاد على حمايته طوال خمسة وثلاثين عامًا. أسبوعان فقط بدون الجرعة كانا كفيلين ببدء التحلل النسيجي المخفي في جدران أوردتكِ. الأعراض لن تظهر دفعة واحدة يا سيدة كارتر… ستبدأ بدوار خفيف، ثم تنمل في أطرافكِ، وبعدها…” صمت الطبيب ولم يكمل جملته.
