حكايات حماده

“أنا الدكتور هاريس، طبيب العائلة القديم وصديق فيكتور منذ سنوات الدراسة في كلية الطب. الطرود التي كانت تصل إلى منزلكم كل شهر… أنا من كان يرسلها.” اتسعت عيناي، وشعرت بغصة حارقة في حلقي. “أنت؟ أنت من كان يمدّه بذلك المشروب؟ هل كنت تشاركه في قتلي بالبطء؟” هز الدكتور هاريس رأسه بأسف نابع من ألم قسيم، وقال:

“لو كنتُ أريد قتلكِ يا سيدة كارتر، لما أتيتُ اليوم بنفسي. المادة التي كانت في الزجاجة لم تكن سمًا، ولم تكن دواءً خافضًا للضغط والسكر فقط. تلك المادة كانت تركيبًا كيميائيًا نادراً يعمل كـ ‘مُثبط جيني’ لمرض وراثي قاتل تحملينه في DNA خاصتكِ دون أن تدري.” تجمدت في مكاني، بينما صرخت إيمي: “ما الذي تقوله؟ أمي لم تكن تشتكي من شيء طوال حياتها!” نقل الدكتور هاريس نظره بيني وبين إيمي، ثم فتح الصفحة الثانية من الملف، والتي كانت عبارة عن تقرير طبي قديم جدًا يعود لتاريخ زواجنا تقريبًا.

تابع الطبيب حديثه: “قبل خمسة وثلاثين عامًا، وقبل أن تتزوجا بفترة قصيرة، عانت والدتكِ يا إيمي من نوبة صحية مفاجئة. أجرى لها فيكتور بصفته طبيبًا ممارسًا بعض الفحوصات السرية، واكتشف أن لديها طفرة جينية نادرة جدًا تُصيب الأوعية الد.موية بالضمور المفاجئ قبل سن الأربعين، وتؤدي إلى الوفاة في غضون أشهر. لم يكن هناك علاج معتمد عالميًا، لكن كان هناك مركب كيميائي تجريبي تحت البحث، يعمل على إبطاء نشاط هذه الطفرة، بشرط أن يُؤخذ بجرعات يومية منتظمة مدى الحياة.”

استرجعتُ شريط الذكريات بسرعة… الطعم المعدني، المرارة، الحرقة في حلقي، والدوار الذي كان يصيبني كل ليلة. سألته بصوت خفيض: “ولماذا لم يخبرني؟ لماذا لم يقل لي إنني مريضة وأحتاج إلى هذا العلاج؟” رد الدكتور هاريس ونبرته تفيض بالحزن:

“لأن المركب كان غير مصرح به رسميًا، واستخدامه يُعد جريمة يعاقب عليها القانون بسحب الرخصة السجن. لكن السبب الأكبر لم يكن القانون… فيكتور كان يعرف طبيعتكِ يا سيدة كارتر. عندما علم بلعنة هذا المرض، أصابه رعب شديد من أن تنهاري نفسيًا أو ترفضي أخذ مركب تجريبي قد يسبب لكِ أعراضًا جانبية قاسية كالتي شعرتِ بها. اختار أن يحمل الثقل وحده. كان يضع الجرعة اليومية في المشروب، ويشرب معكِ كأسه الخاص — والذي كان مجرد شراب عادي — لكي لا تشعري بالريبة أو الخوف.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *