ابن اخويا كان بيرفض روماني مكرم
ابن أخويا كان بيرفض ييجي معانا المصيف كل سنة ويقول إنه بيكره البحر… وبعد ما كبر اعترفلي إن مراتي كانت بتقوله: «الرحلة دي من فلوس عيالي وإنت مالكش مكان.»
ابن أخويا، يوسف، عاش معانا من وهو عنده 8 سنين بعد ما أخويا مات.
كنت بعتبره ابني.
أو كنت فاكر كده.
كل صيف، كنت أحجز شقة على البحر ليا ولمراتي وعيالي.
وأقول ليوسف:
—جهز شنطتك.
كان يرفض.
—مش بحب البحر يا عمو.
كنت أضحك.
—مين مبيحبش البحر؟
يقول:
—أنا.
ومراتي تتدخل:
—سيبه براحته… هو أصلًا بيتعبنا في السفر.
وكنت بسيبه.
10 سنين.
10 مصايف.
وإحنا بنتصور ونضحك ونرجع نحكيله عن البحر، وهو يستقبلنا بابتسامة.
لحد ما يوسف اتخرج.
عملتله عزومة كبيرة.
وبعد ما الناس مشيت، لقيته بيحط شنطه في العربية.
قلت:
—رايح فين؟
—هعيش لوحدي.
ضحكت.
—إيه يا ابني؟ كبرت علينا؟
بصلي وقال:
—أنا كبرت من زمان يا عمو.
حسيت إن في حاجة غلط.
قعدت جنبه.
—يوسف… إنت ليه عمرك ما جيت معانا المصيف؟
سكت.
وبعدين قال:
—عشان مراتك كانت بتقولي الرحلة دي من فلوس عيالها، وإني ماليش مكان.
حسيت حد ضربني في صدري.
—إيه؟!
—كل سنة قبل السفر كانت تقوللي لو طلبت أجي، هتقولك إني رفضت.
دخلت البيت.
واجهت مراتي.
في الأول أنكرت.
وبعدين قالت:
—وأنا غلطانة؟ فلوس عيالي أولى!
صرخت:
—دي فلوسي أنا!
ضحكت.
—فلوسك؟
دخلت أوضتنا وطلعت ملف.
رمته قدامي.
—اقرأ.
فتحت الملف.
كانت كشوف حساب.
كل مصيف روحناه.
كل فندق.
كل شاليه.
كل جنيه اتصرف.
كان خارج من حساب باسم يوسف.
بصيتلها ومقدرتش أتكلم.
قالت:
—أخوك سايبله فلوس، وإنت الوصي عليها. كنت محتاج أصرف على عيالك منين؟
رجلي مقدرتش تشيلني.
10 سنين.
كنت باخد عيالي المصيف من فلوس طفل يتيم… وأسيبه لوحده في البيت.
رجعت ليوسف.
قلت:
—أنا مكنتش أعرف.
ابتسم ابتسامة وجعتني.
—عارف.
—عرفت منين؟
طلع من شنطته ظرف.
—عشان المحامي بتاع بابا قالي الحقيقة من 3 سنين.
بصيتله.
—وسكت ليه؟
قال:
—كنت مستني أتم 18 سنة.
—عشان تاخد فلوسك؟
هز راسه.
—لأ… عشان أقدر أرفع القضية بنفسي.
وقبل ما أستوعب، الباب خبط.
فتحت.
لقيت اتنين واقفين ومعاهم أوراق رسمية.
واحد منهم قال:
—حضرتك مطلوب للتحقيق في قضية استيلاء على أموال قاصر.
بصيت ليوسف.
—إنت بلغت عني؟
قال:
—مش أنا.
مراتي خرجت من الأوضة ووشها أصفر.
يوسف بص ناحيتها وقال:
—أنا بلغت عنها هي.
وبعدين بصلي وكمل:
—لكن المشكلة إن كل عمليات السحب عليها توقيعك إنت.
صرخت:
—توقيعي؟!
طلع آخر ورقة من الظرف وحطها قدامي.
كانت نسخة من أول شيك اتسحب من حسابه.
بصيت للتوقيع.
كان فعلًا توقيعي.
لكن التاريخ خلاني أتجمد.
الشيك كان متصرف بعد موت أخويا بيوم واحد.
في الوقت اللي كنت فيه لسه واقف بدفنه.
رفعت عيني ناحية مراتي.
لكن يوسف قال:
—متبصلهاش… بص على اسم الشخص اللي استلم الفلوس.
قرأت الاسم.
وساعتها فهمت ليه أخويا قبل ما يتوفي بساعات اتصل بيا 17 مرة… وليه مراتي مسحت سجل المكالمات قبل ما أشوفه.
“مدحت”.. اسم أخو مراتي كان مكتوب بخط واضح في خانة المستلم.
الاسم كان زي طعنة تانية في ضهري، أشد من الأولى. أخويا كان بيموت، وبيحاول يتصل بيا 17 مرة عشان يلحق فلوس ابنه من مراتي وأخوها اللي استغلوا مرضه ودخوله المستشفى الطارئ.
بصيت لمراتي، ملامح الرعب اللي كانت على وشها اختفت فجأة، وحل مكانها برود مرعب. حطت إيدها في وسطها وبصت للضابط بكل بجاحة وقالت:
— وأنا مالي؟ التوقيع اللي على الشيكات توقيع جوزي.. هو اللي كان بيمضيلنا على الشيكات دي عشان نشتري الشقق والعربيات ونصيف.. أنا كنت مجرد وسيط بنفذ طلباته!
صرخت فيها وعروق رقبتي هتنفجر:
— انتي بتكذبي! أنا عمري ما شفت الشيكات دي ولا مضيت عليها!
قالت وهي بتلوّي بوزها بامتغاض:
— القانون لا يحمي المغفلين يا ابن الناس.. التوقيع توقيعك، والفلوس اتصرفت بعلمك، والنيابة هي اللي تحكم بيننا.
الضابط أشار لينا بالتحرك وهو بيقول بلهجة حاسمة:
— اتفضلوا معانا من غير شوشرة.. الكلام ده كله هتقولوه قدام وكيل النيابة.
مشت في الممر قدامي بكل ثقة، وكأنها مرتبة لليوم ده من سنين. ركبت بوكس الشرطة وأنا حاسس إني في كابوس مش عارف أصحى منه. عيالي، بيتي، اسمي اللي ضاع.. كل حاجة اتهدت في لحظة.
في سراي النيابة، كانت المواجهة قاسية. المحقق واجهني بالتقارير وأقوال يوسف، وواجه مراتي بالشيك الأول اللي باسم أخوها.
مراتي متهزتش، وقفت قدام وكيل النيابة وقالت بنبرة هادية ومصطنعة:
— يا فندم، جوزي كان بيمر بأزمة مالية في شغله من 10 سنين، ولما أخوه مات وبقى هو الوصي على يوسف، قالي إن دي فرصة عشان نعدل عيشتنا.. وكان بيمضي الشيكات ويديها لأخويا “مدحت” عشان يصرفها بعيد عن الشبهات، والفلوس كلها دخلت في حساب جوزي وصرفناها على البيت والعيال.. ويوسف كان عايش معانا بياكل ويشرب من خيرنا!
وقفت مذهول، دموعي نزلت من القهر والظلم:
— يا بيه والله العظيم ما حصل.. دي كانت بتديني أوراق تابعة للشغل وتصاريح وبتمضيني عليها وسط الزحمة.. أنا كنت بثق فيها وعمري ما تخيلت إنها بالوساخة دي!
وكيل النيابة بص ليوسف اللي كان قاعد في الزاوية، ملامحه هادية ومبيتكلمش. سأله:
— إيه ردك على الكلام ده يا يوسف؟ تفتكر عمك كان شريك معاها في السرقة؟
يوسف وقف، وبص لمراتي بابتسامة ثقة هزت كيانها، وبعدين التفت لوكيل النيابة وطلع من جيبه “فلاش ميموري” صغيرة وحطها على المكتب وقال:
— عمي مغفل يا فندم.. بس مش حرامي. ومراته كانت مفكرة إنها أذكى من الكل.. الفلاشة دي عليها تسجيل لمكالمة تليفونية دارت بين بابا الله يرحمه وبين فادية قبل وفاته بساعتين بالظبط.. بابا كان مسجل المكالمات تلقائي على تليفونه القديم اللي فضلت محتفظ بيه في صندوق ألعابي من وأنا عندي 8 سنين.
فادية وشها رجع أصفر تاني، وحاولت تقرب من المكتب وهي بتترعش، لكن العسكري منعها بقوة.
وكيل النيابة حط الفلاشة في الكمبيوتر، وضغط تشغيل. صوت أخويا الله يرحمه ظهر في الأوضة، كان نفسه ضيق وتعبان جدًا، وهو بيصرخ في فادية وبيقولها:
— “لو قربتي لفلوس ابني يا فادية، هبلغ جوزك بالكارثة القديمة اللي انتي مخبياها عنه.. هو فاكرك شريفة، بس لو عرف الحقيقة مش بس هيطلقك.. ده هيشرب من دمك!”
الجمود أصاب الأوضة كلها. بصيت لمراتي وأنا مش فاهم حاجة.. كارثة إيه؟ وأخويا كان يعرف عنها إيه؟
وكيل النيابة وقف التسجيل، وبص لفادية وقالها بلهجة حاسمة وعين تبرق بالشك:
— إيه هي الكارثة اللي أخو جوزك كان بيهددك بيها قبل ما يموت؟ وليه وفاته حصلت بعد المكالمة دي بساعتين بسكتة قلبية مفاجئة؟!
مراتي بدأت تترعش بشكل هستيري، وبصتلي وعيونها مليانة رعب حقيقي لأول مرة.. وفجأة الباب خبط ودخل عسكري ومعاه تقرير طبي قديم من المستشفى اللي مات فيها أخويا..


