١٨ سنه حكايات اسما السيد 3

توقفت عينا الأم على شاهين.. تمعنت فيه لثوانٍ طويلة، تقرأ ملامح الرجل الفارع، ببدلته الفاخرة وهيبته التي تملا الشارع. لم تكن بحاجة لمن يسألها؛ عرفته فوراً. إنه “ابن دلال السحارة”.. الشاب الفقير الذي طردته من بيتها كالمقعد وصاحت في وجهه يوماً: “ملقتيش غير الكحيان ده؟”.
توقفت حركة الشارع تماماً، وساد صمت ثقيل كالجبال بين الثلاثة.
تقدم شاهين ببطء نحو الكرسي المتحرك، ولم تكن خطواته تحمل تشفياً أو انتقاماً، بل كانت تمشي بهيبة رجل أثبت للزمان وللناس أنه أكبر من كل إهانة. وقف أمام العجوز ونظر إليها من الأعلى، بينما كانت هي ترفع رأسها بصعوبة لتقابل عينيه.
— مساؤك بالخير يا أم أزل.. قالها شاهين بصوت هادئ عميق نزل كالصاعقة على مسامعها.
ارتجفت شفتا الأم الباهتتان، وتحسست يدها المرتعشة طرف غطائها، ثم نطقت بصوت خفيض مبحوح:
— شاهين..؟
— أيوه.. شاهين. قالها وهو يستند بيده على سور الدرج. — البشمهندس شاهين عبد الرحيم.. اللي كنتِ بتسميه الكحيان، وبتطرُديه من غيطكم عشان ما عندوش بيت ولا قرش.
تجمعت الدموع في عيني أزل، وخافت أن تتأزم الأمور، فتقدمت مسرعة:
— شاهين.. أرجوك، أمي تعبانة وما بتحملش..
رفع شاهين يده بهدوء ليوقف أزل دون أن يرفع عينيه عن وجه العجوز:
— سيبيني أتكلم يا أزل.. ده كلام متأجل من ١٥ سنة.
نظر شاهين إلى الأم العاجزة وقال ونبرته تحمل أسى السنين:
— أنتي بعتي بنتك يا حاجّة عشان الفلوس.. كسرتي قلبها وكسرتي قلبي، وجوزتيها لرجل أدّك عشان العز و”بيت الخليج”. فاكرة إن الفلوس هي الأمان؟ أهو مراد مات وسابها، والفلوس بقت نقمة وطمع من القرايب، والصحة اللي كنتي بتتفاخري بيها راحت.. والنهارده، اللي واقف يحمي بنتك ويصون شرفها وابنها من أطماع عيلتها.. هو نفس “الكحيان” اللي رفضتيه.
طأطأت الأم رأسها في خزي عميق. كانت كلماته كسهام مسمومة تجرح كبرياءها المتبقي، ولم تجد حجة تدافع بها عن نفسها. رأت أمامها أميراً بقميصه الأبيض وساعته السوداء، بريق نفوذه يملأ المكان، بينما هي محبوسة في جسد متهالك وكرسي متحرك.
دمعت عين العجوز، ونطقت بنبرة انكسار لأول مرة في حياتها:
— أنا.. أنا كنت فاكرة إني بأمن مستقبلاها يا بني.. كنت خايفة عليها من الفقر والبهدلة..


