حكايات اسلام احمد 2

ساد الصمت لثوانٍ معدودة داخل الصالة، صمت مسموم ومرعب كأن الوقت اتجمد، ومفيش غير صوت أنفاسنا المتلاحقة وصريخ ابني المكتوم في صدري. ناصر كان واقف مكان كأنه مضروب بالقلم على وشه، عينيه بتتحرك في كل الاتجاهات بذعر مشافوش البيت ده منه قبل كده. مراته وشها بقى زي العضم، أيديها اترعشت وبدأت تطش في الصالة من غير هدف، تمسك في الكراسي وتسيبها، وتوشوش جوزها بصوت طالع بالعافية: “الشرطة يا ناصر!.. مين اللي بلغ؟! الواد الصغير لحق يتكلم؟! ولا حد من المنطقة شافك وانت داخل بالكيس؟”

ناصر ما ردش عليها، كان باصصلي أنا.. بصة فيها غل يهد جبال، وخوف يهد الراجل. قرب مني بخطوات سريعة كأنه ضبع جريح، ومسك دراعي بقوة كانت هتكسر العضم في إيده: “هاتي الزفت ده هنا! هاتي الكيس ده وإلا ورحمة أبوي أدفنك مكانك قبل ما الباب يتكسر!”

“على ج/ثتي يا ناصر!” صرخت فيه بكل قوة فضلت في ج/ثتي المحطمة. زقيت إيده بكتفي ورجعت ورا، حضنت ابني الكبيرة والتانيين اتلموا ورا ضهري زي الفراخ الفزعانة. “البلاوي دي هتخرج للمباحث بنفسها، وخلي منطقة العيلة كلها تعرف إنك بتتاجر في السموم وتخبيها في بيت أخوك الغايب!”

صوت الخبط على الباب الخارجي بقى أشد وأقوى، وصوت دبات الجزَم الثقيلة برة كان بيسمع في الخرسانة. “افتح يا ناصر بدال ما نهد الباب! العمارة كلها متفتشة ومفيش طلوع لغيرنا!”

مراته جرت على الحمام، مسكت خرطوم المياه وبدأت تغسل الأرضية بهستيريا كأنها بتمسح آثار الج/ريمة، وعيالها بدأوا يصرخوا ويعيطوا من الخوف لما شافوا أبوه بيمد إيده في جيبه ويطلع مطواة قرن غزال صغيرة، لسانها الفضي لمع تحت لمبة الصالة الخفتانة.

“ورحمة أمي لو ما اديتيني الكيس ده لأكون مغرق بيكِ وبأولادك البيت ده دم قبل ما يدخلوا!” زعق ناصر وهو بيقرب مني، عينه حمرا زي الجمر والمطواة متوجهة لصدري مباشرة.

عيالي صرخوا بعلو صوتهم، وابني الصغير مسك في جلابيتي وهو بيرجف: “يا ماما خدينا واجري! عمو هيق/تلنا!”

في اللحظة دي، مكنش قدامي غير حل واحد. المطبخ كان ورايا بباب مفتوح، والمطبخ ده كان فيه الدرفة القديمة اللي فيها أواني الطبخ الثقيلة. تراجعت بسرعة للورا وأنا حامية عيالي بجسمي، ومسكت براد الشاي الصاج الثقيل اللي كان محطوط على البوتاجاز، ورفعتها في وش ناصر وبأقصى قوة عندي طوحتها في اتجاهه!

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *