١٨ سنه حكايات اسما السيد 3

خرج الثلاثة من الوحدة الصحية تحت أشعة الشمس الغاربة التي أضفت لوناً ذهبياً على حقول القرية. كانت الخطوات هادئة والثقة متجددة، وأزل تسير بجوار شاهين متكئة على ظله العريض، تدرك أن عاصفة الوجع قد انقضت، وأن عشق شاهين الذي قاوم السنين لم يكن مجرد ذكرى.. بل كان الوعد الذي تحقق ليرد لها روحها من جديد.

وصلت السيارة السوداء الضخمة إلى أعتاب البيت الكبير في أطراف القرية. نزل شاهين أولاً، ثم فتح الباب لأزل، بينما قفز آدم بركوض إلى الداخل ليطمئن على جيبته الكبيرة (جدته) بعد يوم طويل مليء بالأحداث.

وقفت أزل على الدرجة الأولى للمنزل، والتفتت إلى شاهين الذي كان يتأمل البيت ببناءاته العالية وجدرانه الصماء. كان هذا البيت في الماضي بالنسبة لشاهين رمزا لانتصار المال على الحب، لكنه اليوم لم يعد يرى فيه سوى المعتقل الذي زُفت إليه أزل وهي طفلة في الثامنة عشرة من عمرها.

— شكراً يا شاهين.. قالها أزل بنبرة هادئة تفيض بالامتنان، والتعب بادٍ على ملامحها الناعمة. — موقفك النهاردة قدام عدنان وفريدة مش هنساه العمر كله.

خطى شاهين نحوها خطوة واحدة، وشخصت عيناه الحادتان في عينيها بنظرة تحمل صرامة الحماية وحنان العشق القديم:

— أنا ما عملتش غير اللي كان المفروض يتعمل من ١٥ سنة يا أزل. زمان كنت عاجز ومش في إيدي حاجة أدافع بيها عنك.. لكن النهاردة، الدنيا كلها تحت رجلي، وما فيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يقرب منك أو يمس شعرة من آدم وأنا عايش.

— عدنان مش هيسكت يا شاهين.. الراجل ده طماع، وفريدة وراه بتحركه.. الفلوس والشركات في الخليج عمياهم، وهم شايفين إن آدم هو العقبة الوحيدة عشان يسيطروا على كل حاجة.

ابتسم شاهين ابتسامة ثقة صلبة، ورفع يده ليشير نحو أفق القرية:

— خليهم يجربوا.. عدنان ورقة محروقة، وأنا أمرت مكتبي القانوني في القاهرة وبيروت يفتحوا ملفات شركاته كلها. خلال ٤٨ ساعة، هيبقى مشغول يدافع عن نفسه قدام قضايا التهرب والديون اللي عليه، ومش هيفضى حتى يفكر في اسم آدم.. اطمني خالص.

في تلك اللحظة، فتح باب المنزل الرئيسي ببطء، وظهرت أم أزل جالسة على كرسيها المتحرك، تدفعها الممرضة الخاصة بها. كانت السيدة قد أخذت منها السنون أخذها؛ انحنى ظهرها وذبُلت ملامحها القاسية، لكن نظرات عينها كانت ما تزال تحمل تلك العزة والجفاف القديم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *