١٨ سنه حكايات اسما السيد 3

ابتسم شاهين ابتسامة قاسية وسخر منها وهو يخطو نحو الباب ليغلقه أمامهما، ثم وقف مستنداً عليه، واضعاً يديه في جيبي بنطاله:

— المحكمة؟ كويس إنك فتحتي السيرة دي. تعرفي يا مدام فريدة إن الشركة اللي بيملكها عدنان في القاهرة واخدة مناقصة توريدات من مجموعتي؟ وتعرفي إن بإشارة واحدة مني بكرة الصبح، البنوك هتوجه لشركته إنذارات بالتعثر وتلغي كل عقوده؟

شحب لون عدنان، ونظر لشاهين بذهول:

— أنت… أنت بشمهندس شاهين عبد الرحيم؟ صاحب مجموعة الشاهين للإنشاءات؟!

قال شاهين بنبرة هادئة تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة:

— أيوه يا محترم.. أنا شاهين اللي تقدر كلمته تهد أي عمل بتفكرو تبنوه على حساب أزل وابنها. لو فكرتم مجرد تفكير إنكم ترفعوا قضية واحدة، أو تيجوا ناحية البيت اللي عايشة فيه، مش بس خسارة الحضانة هي اللي هتواجهوها.. أنتم هتخرجوا من السوق كله ملط، ومش هسيب في جيبكم قرش واحد.

تطلع عدنان وفريدة لبعضهما بذهول؛ لم يتوقعا أن تقف أزل خلف هذا الجدار الصامد من النفوذ والقوة. كانا يظنان أنها مجرد أرملة وحيدة في أطراف الأرياف، يسهل ابتزازها بالمال والولد.

قال عدنان وهو يحاول حفظ ما تبقى من ماء وجهه:

— الموضوع مش موضوع تحدي يا بشمهندس.. إحنا خايفين على مصلحة الولد بس.

ردت أزل بصرامة:

— مصلحة الولد أنكم تبعدوا عن حياتنا! خرجوا بره مكتب وبره المستشفى كلها، وإذا شفت حد منكم قرب من طريق مدرسته، القضية اللي رفعتموها هتبقى وبال عليكم!

لم يجد عدنان وفريدة ممراً للهرب سوى الاندحار. خرجا من المكتب بجر أذيال الخيبة والارتباك، واستدار شاهين ليغلق الباب خلفهما تماماً، وساد المكان صمت عميق.

سقطت أزل على كرسيها، وجلست تغطي وجهها بيديها. كانت الهزة النفسية أكبر من تحمُلها، وجروح الماضي فتحت دفعة واحدة؛ طمع الأقارب، قسوة الظروف، والتهديد الدائم بأخذ طفلها الوحيد.

اقترب شاهين منها ببطء شديد. وقف أمام المكتب، ونزل على ركبتيه حتى أصبح في مستوى نظرها. امتدت يده ببطء ومسكت يديها المرتجفتين وأبعدتهما عن وجهها.

— أزل.. انظري لي. قالها بنبرة تفيض بالحنان والشوق.

رفعت عينين دامعتين تلتقيان بعينيه الصلبتين اللتين تحولتا إلى ملاذ أمن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *