١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

نهض شاهين من مقعده وفجأة، واقترب من النافذة يطل منها على الساحة، وظهر الشد الواضح في كتفيه العريضين. كان خوضه في هذا الماضي يفتت كل الدفاعات التي بناها.
وقبل أن تستطرد أزل، دخل آدم ابنهما فجأة إلى المكتب يحمل حقيبته المدرسية:
— ماما! أنتي لسه مخلصتيش؟ أنا مستنيكي بره من بدري عشان نروح نشتري مستلزمات المدرسة.
توقفت أزمة الحديث فوراً. التفت شاهين ليرى آدم يقف عند الباب، ينظر إليه بفضول واستغراب.
نظر شاهين إلى الولد، ثم التفت لأزل وقدم خطوة نحوها:
— نكتفي بكتة النهاردة يا دكتورة.. التعديلات دي هتنزل للموقع بكرة الصبح.
ثم التفت لآدم وناداه بصوت هادئ، محاولاً السيطرة على انفعالاته:
— تعال يا آدم.. تعال يا حبيبي.
تقدم آدم خطوات بحذر. وضع شاهين يده على كتف الفتى، وكانت يده عريضة ودافئة:
— أمك دكتورة عظيمة يا آدم.. حافظ عليها، واعرف إنك شايل اسم عيلة، بس لازم تطلع راجل بجد.. يعتمد عليه، وما يظلمش حد.
نظر آدم لشاهين بإعجاب شديد وقال:
— أنا باطلع الأول دايماً في المدرسة يا بشمهندس، وعاوز أطلع مهندس زيك عشان أبني شركات كبيرة!
ابتسم شاهين ابتسامة صادقة نادرة ظهرت على شفتيه، وانحنت الخطوط قرب عينيه:
— إن شاء الله هتطلع أحسن مني.. بس أتعلم الأول إن المباني العالية بتبدأ من أصل متين.. وأصلك هنا في البلد دي.
خرج شاهين من المكتب بخطوات ثقيلة، مفسحاً المجال لأزل وابنها.
ظلت أزل تنظر في أثره. لم يعد اللقاء بينهما مجرد مواجهة بين الماضي والحاضر، بل صار صراعاً بين حقائق غائبة وكبرياء متجذر. عرف شاهين الآن الحقيقة، لكن هل تتغلب الحقيقة على سنين الجفاء؟ وهل يستطيع قلب أزل المجروح أن يسامح قسوة شاهين الابتدائية، أم أن القدر يخبئ لهما مواجهة أشد وقسوة أعظم في قادم الأيام؟
خرج شاهين من الوحدة الصحية وترك خلفه جمرًا يتأكل تحت الرماد. بالنسبة لأزل، لم تكن حقيقة كشفها لسر مجيئها مجبورَة سوى خطوة أولى في طريق شائك؛ فشاهين الذي ظن لعقد ونصف أنها باعت حبه بالمال، أصبح يتأرجح الآن بين بقايا كبرياء مكسور وشكوك قاتلة حول قسوة الظروف التي مرت بها.
مرت الأيام التالية محملة بتوتر مكتوم. شاهين لم يبتعد، بل كثف وجوده في موقع بناء الجناح الجديد. كان يتردد يوميًا، يتابع أعمال الخرسانة والتجهيزات الفنية بنفسه، يوجه العمال بنبرة صارمة، لكن عينيه كانت تسرقان النظر باستمرار نحو شباك مكتب أزل في الدور الأول.

