١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

مرت ليلة أزل الأولى بعد ذلك اللقاء ككابوس طال أمره؛ لم تذق فيها طعم النوم. كانت أطياف شاهين تحاصرها في كل زاوية من زوايا البيت الكبير الذي بناه زوجها الراحل. ذلك البيت الذي طالما بدا لها كقصر عاجي بارد في الغربة، صار اليوم مجرد سجن جدرانه متخمة بالذكريات الأليمة.

مع بزوغ الفجر، جلست أزل في شرفة غرفتها تتأمل حقول القرية الممتدة. تحولت الفتاة الخائفة ذات الـ18 عاماً إلى استشارية يشار إليها بالبنان، لكنها في حضرة شاهين عادت تشعر بقلة الحيلة ذاتها. غير أن هذه المرة كان هناك شيء مختلف؛ لم تعد استسلامها السابق ممكناً، فلديها ولد يتوجب عليها حمايته، وكرامة طبية وإنسانية شيدتها بدموعها عبر خمسة عشر عاماً.

في الصباح الباكر، ارتدت أزل ملابسها العملية بحزم، وانطلقت إلى الوحدة الصحية قبل الجميع. كانت تريد أن تغرق نفسها في العمل كي لا تترك لعقلها مساحة للتحليل والأسى. دخلت مكتبها، وبدأت مراجعة الملفات المكدسة بكثافة، لكن الهدوء لم يدُم طويلاً.

في تمام التاسعة صباحاً، اقتحم صوت سيارات ضخمة باحة الوحدة الصحية. نظرت أزل من النافذة لتجد سيارة شاهين السوداء تقف في منتصف الساحة، يرافقها عدد من المهندسين والمشرفين المحملين بخرائط وأجهزة قياس مساحية.

لم يمضِ سوى درجات معدودة على السلم حتى سمعت وقع خطواته الثقيلة المعتادة في الممر. دخل شاهين رفقة مدير الوحدة، وكان يتحدث بصوت نافر يأمر ويوجه:

— الممر ده لازم يتوسع نص متر كمان.. المستشفى دي مش شغالين فيها للهواية، ده جناح أورام وأطفال، الدخول والخروج لازم يكون بمرونة كاملة.

توقف شاهين عند باب مكتب أزل، ونظر إليها وهي تجلس خلف مكتبها تحاول تجاهل وجوده.

ابتسم مدير الوحدة بقلة حيلة وقال:

— صباح الخير يا دكتورة أزل.. البشمهندس شاهين حب يبدأ المعاينة الميدانية من أول الساعات عشان يتفادى تعطيل الشغل.

رفعت أزل رأسها بثبات، ونظرت لعينيه الحادتين اللتين تحصنان نفسيهما ببرود مصنع:

— صباح النور. بس يا بشمهندس شاهين، التوسع في الممر ده هيجي على حساب غرفة الكشف الخارجي الخاصة بقطاع الأطفال، وده مرفوض طبياً.

توقف المهندسون عن الحركة، وساد صمت مشحون في الممر. خطى شاهين خطوات داخل المكتب، ووضع كفيه على طرف المكتب العريض ومال بجسده نحوها:

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *