١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

أما أزل، فقد انغمست في عملها بالوحدة بين رعاية المرضى ومتابعة حالات الأطفال، تحاول قدر الإمكان أن تبقي المسافة الرسمية بينها وبين هذا الرجل الذي يقلب كيانها برؤيته فقط.

في صباح يوم خريفي غائم، ورد بلاغ عاجل للوحدة الصحية عن وقوع حادث سير مروع على الطريق الزراعي السريع المتاخم للقرية. سيارة نقل اصطدمت بحافلة صغيرة تنقل عمالاً وأطفالاً متوجهين لمدارسهم.

انقلبت حالة الهدوء في الوحدة إلى استنفار تام. تعالت أصوات سيارات الإسعاف، وبدأت الحالات الوافدة تتدفق على أروقة المستشفى. خرجت أزل مسرعة بثوبها الطبي، تقود الطاقم الطبي بكفاءة عالية، تصنف الإصابات، وتوزع المهام بين غرف الطوارئ والعمليات الصغرى.

في غضون دقائق، امتص الممر والباحة الخارجية أعدادًا كبيرة من المصابين وأهاليهم الثائرين.

كان شاهين في موقع البناء القريب عندما سمع الفوضى وصراخ الأهالي. ترك خرائط الهندسية وركض فورًا نحو ساحة الوحدة. عندما دخل الممر الرئيسي، رأى أزل في منتصف الملحمة؛ شعرها الذي تحرر بعضه من العقدة، ووجهها المغطى بقطرات العرق، وثوبها الأبيض الذي تخضب بدماء المصابين وهي تجثو على الأرض لتنقذ مصابًا تلو الآخر.

لم يتردد شاهين لحظة. أشار لعماله ومشرفيه بالتدخول فوراً:

— ينزل كل العمال يساعدوا التمريض! شيلوا الأسرة الفاضية وجهزوا الممر الخلفي لاستقبال الحالات البسيطة!

تحول المهندس ورجل الأعمال المليونير إلى مسعف ومتطوع في ثوانٍ. شمر عن ساعديه، وبدأ يحمل المصابين بجسده القوي، يفسح الطرقات، ويوجه الأهالي الغاضبين بصوته الجهوري للابتعاد لفسح المجال أمام الأطباء.

في خضم تلك المعمعة، أُحضر طفل في الثامنة من عمره كان ينزف بشدة من شريان في قدمه، وكانت أمه تصرخ بهستيرية. جثت أزل إلى جواره وضغطت على موضع النزيف بكل قوتها، لكن الطفل كان يرتجف ويدخل في شوك إصابي (صدمة نزفية).

— محتاجة أربط الشريان هنا فورًا!! صرخت أزل للممرضة التي كانت مشغولة بحالة أخرى. — مسك معايا يا دكتور سامح!

لكن مدير الوحدة كان يصارع لإيقاف نزيف مصاب آخر في غرفة الملاحظة.

في تلك اللحظة، ظهر شاهين فجأة بجانبها، وجثى على ركبتيه في الدم والطين بجوارها دون أن يرف له جفن:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *