١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

— أعمل إيه يا أزل؟ قوليلي أساعدك إزاي!
نظرت إليه أزل بذهول خاطف، لكن الموقف لم يكن يحتمل التردد:
— اضغط بكل قوتك على النقطة دي فوق الركبة يا شاهين! أوعى تسيبي إيدك مهما حصل لحد ما أجهز الخيط والأدوات!
وضع شاهين كفيه القويتين على ساق الطفل وضغط بصلابة، عينوه ثابته على يدي أزل التي تتحركان بسرعة فائقة ومهارة جراحية مذهلة. كانت تعمل تحت ضغط رهيب، وصوت صراخ الأهالي يملأ المكان، لكنها كانت كالمنارة في وسط العاصفة.
بعد دقائق من التوتر العالي، استطاعت أزل ربط الوعاء الدموي النازف وتثبيت حالة الطفل. رفعت رأسها وتنفست الصعداء، لتجد شاهين يمسك بساق الطفل بذات القوة، وعيناه لا تفارقان وجهها.
— خلاص يا شاهين.. النزيف وقف.. تقدر تخفف الضغط بالراحة. قالتها بصوت مبحوح من التعب.
أرخى شاهين يديه الملطختين بالدماء، ونظر للطفل الذي بدأ يستعيد أنفاسه الهادئة، ثم نظر إلى أزل. كانت وجهها قريبًا جدًا منه، ورائحة الدم والخوف تمتزج بعبير انفاسها المجهدة.
— أنتي بطلة يا أزل.. قالها بصوت خفيض عميق، لم يكن نابعًا من رجل أعمال يقيّم طبيبة، بل من عاشق يرى أميرته تضيء وسط ركام الحياة.
تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة، ذابت فيها كل حواجز السنين وقسوة الاتهامات. رأى في عينها التعب والوجع والحب المكتوم، ورأت هي في عينيه الخوف عليها والحنان القديم الذي ظنت أنه مات للأبد.
مع حلول المساء، بدأت الأوضاع تهدأ في الوحدة الصحية بعد نقل الحالات الحرجة إلى مستشفى المحافظة واستقرار باقي المصابين.
كانت أزل تجلس في مكتبها، منهكة كليًا، أطلقت شعرها للوراء وأسندت رأسها على المكتب. كانت يداها ترتجفان من أثر الإجهاد البدني والنفسي.
ُدق الباب ببطء.
— اتفضل..
دخل شاهين. كان قد غير قميصه الملطخ بالدماء وارتدى قميصًا داكنًا آخر، لكن نظرة التعب كانت واضحة على ملامحه الحادة. كان يحمل في يده كوبًا من الشاي الساخن ورغيف خبز دافئ من أحد المخابز المجاورة.
وضع الكوب والخبز على مكتبها بهدوء.
— اشربي ده.. أنتي مأكلتيش حاجة من الصبح.
نظرت أزل للكوب ثم إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة خفيفة:
— شكراً يا شاهين.. تعبت نفسك معايا النهاردة. الوقفة اللي وقفتها في الساحة ما يعملهاش غير ابن بلد أصيل.



