١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

جلس شاهين على الكرسي المقابل، ونظر إليها بتمعن طويل، ثم قال بصوت هادئ خالي من القسوة:

— أنا شفتك النهاردة يا أزل.. شفت أزل الحقيقية. شفت إزاي بتعافري وتنقذي الناس ونانسية نفسك خالص.

ساد الصمت لبرهة، قبل أن يكمل شاهين وهو ينظر ليديه:

— أنا طول الـ15 سنة اللي فاتوا، كنت كل ما بنجح أو أعمل قرش، أقول لنفسي: أزل مشيت عشان الفلوس، أزل اختارت العز. كنت بصبر نفسي بالكره عشان أقدر أعيش وأكمل.. عشان لو ما كرهتكيش، كنت هموت من الشوق والوجع.

ترقرققت الدموع في عيني أزل، ولم تستطع هذه المرة مسحها.

أكمل شاهين ونبرته تخترق صدرها:

— بس لما شفتك بتنقذي الولد في الطين، ولما شفت القسوة اللي في عينيك لما بتفتكري اللي حصلك.. عرفت إن أنا كمان ظلمتك. أنا قسيت عليكي لما رجعتي، لأن الجرح كان لسه ينزف، وكنت فاكر إنك جاية تتكبّري عليا بدكتوريتك وفلوس مراد.

قالت أزل بصوت يخنقه البكاء:

— أنا عمري ما تكبرت عليك يا شاهين.. أنا رجعت هنا لأن دي بلدي، ولأن البيت ده هو المكان الوحيد اللي اقدر أربي فيه آدم بعيد عن طمع قرايب مراد في الخليج بعد وفاته. أنا خرجت من تجربة مراد ست مكسورة، ماليش غير شغلي وابني.. وأمي اللي راحت صحتها وما بقاش ليها غيري.

قام شاهين من مقعده وخطى خطوات هادئة حتى وقف بجانب مكتبها. مد يده ببطء شديد، ورغم كل التحفظات، وضع أنامله الخشنة على طرف يدها المرتجفة على المكتب.

شعرت أزل بكهرباء تسري في جسدها، لم تسحب يدها، بل تركتها تستكين تحت دفء كفه.

— أنا مش هقدر أغير اللي فات يا أزل.. قال شاهين بهمس موجوع. — ولا أقدر أرجع سنين شبابنا اللي ضاعت في القهر والغربة. بس أنا موجود دلوقتي.. ومش هسمح لأي حاجة تكسرك تاني.

رفعت أزل عينين مليئتين بالدموع والرجاء:

— بس فيه آدم يا شاهين.. وفيه كلام الناس، وفيه أمي اللي لسه شايفاك السبب في كل حاجة وحشة.. وفيه جدار كبير بيننا اتبنى في 15 سنة.

انحنى شاهين قليلاً، ونظر في عينها مباشرة بثبات صلب:

— الجدار ده أنا اللي بنيته يا أزل.. وأنا اللي ههدمه حجر حجر. وآدم ابنك هيبقى زي ابني، واللي يقربلك أو يمسك بكلمة، هسحقه قبل ما يوصلك.

في تلك اللحظة المشحونة بالأمل والاعترافات الدافئة، فتح باب المكتب فجأة دون أن يطرق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *