الطمع روماني مكرم ٣

 

مرت أيام قليلة، وكانت الشقة الواسعة تغلي بالحقد والتوتر، وسعاد لا تزال تتوعد أختها وابنتها “منة” التي رفضت العودة إلى البيت واختارت البقاء في حضن خالتها صباح. لكن سعاد لم تكن تعلم أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن قطار المفاجآت قادم من أستراليا بأقصى سرعة.

وفي صباح يوم شديد الحرارة، كانت سعاد تجلس في الصالة، تخطط لكيفية قطع الطريق على الأموال التي وعد بها مدحت شقيقتها. وفجأة، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب الخارجي!

انخلع قلبها من مكانها، ووقفت مذهولة وهي تنظر للباب الذي فُتح ببطء، ليدخل منه رجل بجسد منهك وعينين يتطاير منهما شرر الغضب.. إنه “مدحت”! نزل من أستراليا فجأة وبدون أي مقدمات أو اتصال.

سعاد تراجعت خطوتين للخلف والدم هرب من وجهها، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها المرتجفتين:

* “مدحت؟! حمد الله على السلامة يا خويا.. جيت إمتى؟ ومقولتليش ليه عشان أجهز لك البيت وأعمل لك لقمة تاكلها؟”

مدحت أغلق الباب خلفه بقوة هزت الجدران، ورمى حقيبته الصغيرة على الأرض، ونظر إليها بنظرة مليئة بالاحتقار والغل المكبوت طوال رحلة الطيران، وقال بصوت جهوري زلزل الشقة:

* “آكل لقمة من إيدك يا سعاد؟! لقمة مغموسة بحق اليتيمة ودموع أختك الشقيانة؟! أنا نزلت عشان أطهر بيتي من السواد والسرقة اللي عيشتيني فيهم وأنا مغمى العين في الغربة!”

### خناقة كسر العظام

سعاد حاولت تتماسك ورجعت لبجاحتها وعقدت إيديها وقالت بنبرة حادة:

* “جرى إيه يا مدحت؟ أنت نازل من آخر بلاد المسلمين عشان تتخانق معايا وتكدبني عشان خاطر صباح؟ أيوا يا سيدي، كنت بديها 750 جنيه بس، والـ 5000 جنيه كتير عليها وعلى بنتها! أنا وفرت فلوسك وجبت بيها دهب لعيالك.. هو ده جزائي إني بحافظ على قرشك وشقا عمرك؟!”

مدحت قرب منها لدرجة أن أنفاسه الغاضبة كانت تلفح وجهها، وصرخ بصوت جعل الجيران يستمعون:

* “أنتي بتحافظي على قرشي؟! أنتي بتسرقيني وتسرقي أختك! أنا اللي كنت بشقى في برد أستراليا وبشتغل ورديتين عشان أبعت القرش، وأقول ربنا هيسترها معايا عشان خاطر البنت اليتيمة اللي بكفلها.. تقومي أنتي تقطعي صلة الرحم وتذلي أختك الكبيرة اللي ربتك؟ تعايريها بفقرها وشقاها في البيوت؟! وتقولي لبنتها خليكي في الدبلوم؟ أنتي إيه يا شيخة؟ معندكيش دين؟ معندكيش رحمة في قلبك؟!”

سعاد زعقت وهي بتشاور على الغوايش اللي لسه في إيدها:

* “أيوا مش هتاخد مليم! وعيالي أولى بالذهب ده والشقة دي! صباح وبنتها مش من مستوانا، ومش هسمح لك تضيع شقاك عليهم.. أنا مراتك وأم عيالك، والفلوس دي حقي وحق عيالي، والدهب ده بتاعي ومش هفرط فيه!”

هنا انطلقت ضحكة مدحت المليئة بالقهر والسخرية، ومد إيده في جيبه وأخرج حافظة أوراقه، ورمى في وجهها مجموعة من المستندات القانونية:

* “بتاعك؟ الدهب ده والشقة دي بتاعتك يا سعاد؟ طب اقري الأوراق دي كويس.. الشقة دي اللي كانت باسمك، أنا لغيت التوكيل اللي كنت عاملهولك من أستراليا، ورفعت دعوى استرداد، والمحامي بتاعي هنا في مصر جهز كل حاجة.. الشقة دي هتدخل في بيت الطاعة لو ملمتيش نفسك، والدهب اللي في إيدك ده.. أنا هحجز عليه بالقانون لأن الفلوس دي فلوسي وبحسابات البنك اللي كنت ببعتها باسمك عشان توصليها لصباح وبنتي منة!”

### الانهيار الشديد

سعاد نزلت على الأرض تجمع الأوراق وإيدها بترتعش، قرت الكلام وحست إن الدنيا بتلف بيها، مدحت جاي يهد المعبد فوق دماغها. صرخت بنواح وعياط:

* “بتخرب بيتك يا مدحت؟ بتهد عز عيالك عشان خاطر صباح؟ والله ما هسكت، هفضحك وسط المنطقة وأقول إنك جاي تظلمني وتطردني من بيتي!”

مدحت وطى عليها وبص في عينيها بثبات حاسم:

* “افضحي.. الحارة والمنطقة كلها عارفة إنك أكلتي حق أختك الأرملة، والكل بيتكلم على جبروتك. بنتي ‘منة’ اللي طردتيها هي اللي صانت شرفي وقالت لي الحقيقة، وأنا من بكبكرة الصبح هروح لبيت صباح، هبوس راسها وأعتذر لها، والـ 5000 جنيه بتوع السنة اللي فاتت كلهم هيدفعوا ليها كاش وحالاً.. وأنتي يا سعاد، مالكيش عيش معايا ولا ليكي كلمة في البيت ده لحد ما أشوف هعمل فيكي إيه!”

سعاد قعدت على الأرض والغل بياكل في قلبها، الـ 2000 دولار طاروا، وعرشها اتهز بجد، ومدحت واقف قدامها زي السيف القاطع مش راضي يلين ولا يسامح، وحقدها على صباح زاد أضعاف وأضعاف لأنها شافت إن أختها هي السبب في كل اللي بيجرى لها.

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى مدحت هيعمل إيه لما يروح لبيت صباح؟ وسعاد وهي قاعدة في الشقة المهددة بالضياع، إيه الكارثة أو المصيبة اللي هتعملها عشان تنتقم من أختها وبنتها بعد الخناقة دي؟

الخيوط تشابكت على الآخر، والنار بدأت تحرق الأخضر واليابس.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!

### الجزء السادس: رصاصة الفراق

لم تنم سعاد تلك الليلة، كانت تجلس في زاوية الصالة وعيناها حمراوان من كثرة الغل والبكاء، تراقب زوجها مدحت الذي كان يجلس على المقعد المقابل وعيناه لا تفارقانه، وكأنه يحرس مغارة من اللصوص. لم يكن هناك أي مجال للتراجع في عيني مدحت؛ فقد اتخذ قراره وحزم أمره.

مع أول خيط من خيوط الفجر، وقف مدحت وارتدى جلبابه الصعيدي الأصيل الذي يعتز به، وبصوت يشبه قصف الرعد قال لها:

* “هاتي الدهب يا سعاد.. والفلوس اللي في الخزنة هنا اللي كنت ببعتها لك بالدولار وتغيريها بالمصري وتكنيزيها.”

سعاد وقفت وجسدها يرتعش، وحاولت المماطلة والصراخ:

* “مش هدي لك حاجة! ده شقايا وتدبيري، الدهب ده بتاعي وبتاع عيالي، مش هتاخده وتديه لصباح وبنتها!”

مدحت اقترب منها خطوة واحدة، وكانت نظرته كفيلة بإسكاتها، وقال بنبرة هادئة لكنها مرعبة:

* “أنا مش هسيب في بيتي قرش واحد حرام مغموس بدموع يتيمة. الدهب ده اتشرى بفلوس الأمانة اللي خنتيها.. هاتي الدهب والفلوس بالذوق، بدل ما أطلب لك البوليس والمحامي واقف برة على السلم ومعاه محضر إثبات حالة بالسرقة وخيانة الأمانة.. اختاري يا بنت الأصول!”

### تجريد الحقد

سعاد شعرت بأن الحصار اشتد حول رقبتها. بكت بنحيب وقهر وهي تخلع الغوايش من يديها واحدة تلو الأخرى، وكل غويشة تتخلع كانت كأنها قطعة تنزع من قلبها المليء بالحقد. رمت الذهب على الطاولة، ثم توجهت إلى الدولاب وأخرجت علبة قطيفة فيها ما تبقى من أموال الدولارات والمصري التي كانت تحرم منها أختها وتكنزها للزمن.

وضعت كل شيء أمام مدحت وهي تنظر إليه بغل أعمى وتقول:

* “أهو.. خدت كل حاجة! ارتحت؟ هتروح بقى ترميهم تحت رجلين صباح والبت بنتها؟ مبروك عليك الشحاتين يا مدحت! بس افتكر إنك بتخرب بيتك بإيدك.”

مدحت جمع الذهب والأموال ووضعهم في حقيبته ببرود تام، ثم نظر إليها ونظرة القرف تملأ عينيه:

* “أنا مبخربش بيتي.. أنا بنظفه من النجاسة والغل. والبيت ده ملوش قعدة معاكي تاني.”

مدحت أخرج هاتفها من جيبها ورماه بجانبها، ثم وقف في منتصف الصالة الشاسعة، وقال بكلمات حاسمة خرجت كالرصاص الذي لا يرحم:

* “أنتي خنتي الأمانة، وأكلتي حق اليتيم، وعايرتي أختك بفقرها، وعلمتي بنتك الغش لكنها طلعت أنظف منك.. ست بالسواد والحقد ده متلزمنيش ولا تشرفني تكون أم لعيالي في الغربة.. يا سعاد، أنتي طالق.. طالق بالتلاتة، ومالكيش عندي غير هدومك اللي عليكي، وأوراقك هتوصلك لبيت أبوكي!”

### زلزال في الحارة

نزلت الكلمة على سعاد كالصاعقة التي شلت حركتها. وقعت على ركبتيها تصرخ وتلطم وجهها، لكن مدحت لم ينظر خلفه. أخذ الحقيبة وخرج من الشقة الواسعة التي أصبحت فجأة باردة ومظلمة، وتركها وحيدة مع حقدها الذي أكل الأخضر واليابس.

نزل مدحت وتوجه مباشرة إلى الحارة الضيقة، حيث كان البيت الصغير لصباح يمتلئ بالدفء والنظافة رغم الفقر. عندما وصل، وجد ابنتيه منة ونورا جالستين مع صباح حول صينية فطور بسيطة.

أول ما رأته صباح، وقفت ترحب به:

* “أهلاً يا ابن الأصول.. حمد الله على السلامة يا مدحت يا خويا، نورت مصر ونورت بيتك الصغير.”

مدحت دخل والدموع غلبت عينيه، وضع الحقيبة على الطاولة وانحنى وقبل رأس صباح أمام الجميع وقال بصوت مخنوق:

* “سامحيني يا أم نورا.. حقك وحق البنت اليتيمة في رقبتي ليوم الدين. الحقيبة دي فيها كل الذهب والفلوس اللي سعاد سرقتهم منكم بقالها سنة.. ده حقكم بالمليم، وفوقهم مصاريف دروس نورا لحد ما تخلص الجامعة وتطلع دكتورة وتشرفنا كلنا.”

صباح بكت من الفرحة والذهول، ونورا ومنة عانقتا بعضهما والدموع في أعينهما. لكن صباح نظرت لمدحت بقلق وقالت:

* “كتر خيرك يا أصيل.. بس سعاد فين؟ وأنت عملت إيه معاها؟ أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيت أختي يا مدحت.”

مدحت تنهد وقال بحسم:

* “سعاد خربت بيتها بنفسها يا صباح.. سعاد مبقتش مراتي، أنا طلقتها تروح تدور على الدهب والعز في بيت أبوها، والشر اللي زرعته حصدته النهاردة.”

وفي تلك اللحظة، في الشقة الراقية، كانت سعاد تلملم ملابسها والغل يعمي بصيرتها، ولم تكن تفكر في الطلاق قدر ما كانت تفكر في طريقة واحدة لتدمير فرحة صباح وبنتها، والانتقام من مدحت الذي جردها من كل شيء!

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى سعاد هتعمل إيه بعد ما اطلقت واتأخد منها كل الفلوس والدهب؟ هل هتلجأ لأهلها عشان تقلبهم على مدحت وصباح؟ وإيه الخطوة الجاية اللي مدحت هيعملها عشان يؤمن مستقبل بناته ونورا؟

الخيوط وصلت لذروتها، والزمن دار دورته كاملة.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *