١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

— مرفوض؟ كلمة مرفوض دي تقوليه في العيادة لمريض، لكن هنا فيه مهندسين ومخططين فاهمين يعني إيه مسارات حركة ورعاية مركزة. الجناح الجديد مش لعبة يا دكتورة.
ردت أزل بنبرة حازمة دون أن تتراجع إنشاً واحداً:
— والطب مش رسم هندسي على ورق يا بشمهندس! الراحة النفسية والمساحة المخصصة للأطفال وذويهم جزء من العلاج. لو التعديل هيأثر على جودة الرعاية الطبية، يبقى المعمار كله محتاج يتراجع.
تأملها شاهين لثوانٍ؛ كان واضحاً أن صلابتها ومواجهته بهذا الشكل تثير في داخله مزيجاً من الغيظ والإعجاب المكتوم. لم تكن هذه أزل التي تدعس على مشاعرها وتبكي في الزاوية؛ بل امرأة تقف أمامه كشريك وخصم في آن واحد.
اقترب منها أكثر، ونزل بصوته إلى نبرة خفيضة لا يطالها أذان المهندسين الواقفين بالخارج:
— أنتي فاكرة إنك لما تقفي قدامي وتحاولي تعطل الشغل، هتبيني إنك قوية؟ القوة مش في الكلام، القوة في إنك تحافظي على مكانيتك وتعرفي حدودك.
ردت أزل بهمس أشد قسوة:
— حدودي هي مصلحة المريض يا شاهين.. وأنا هنا مش عشان أثبتلك حاجة، ولا عشان أدخل معاك في تصفية حسابات قديمة. لو جاي تخدم البلد، أهلاً بيك، لكن لو جاي تتأنق بنفوذك وتكسرني.. فده مش هيحصل.
قبل أن يجيب شاهين، ارتفع صوت حركة غير طبيعية في الساحة الخارجية، وتبعه صوت صراخ نسائي يعلو بالدعاء والاستغاثة:
— الحقوني يا دكاترة!! الولد بيموت مني!!
ركضت أزل فوراً متجاوزة شاهين والمهندسين دون اهتمام. خرجت إلى الباحة لتجد امرأة قروية تبكي بحرقة وهي تحمل طفلاً لم يتجاوز السادسة من عمره، كان وجهه شاحباً كالأوراق الميتة، وجسده يرتجف بشدة وسط صعوبة بالغة في التنفس.
— ماله الولد؟ سألت أزل وهي تجثو على ركبتيها فوراً في التراب بجانب الأم، غير أبهة بثوبها الأبيض الذي اتسخ بالطين.
— أكل حتة أكل وسد نفسه يا دكتورة.. مش قادر يتنفس وشفايفه ازرقت!!
تجمهر الموظفون والمهندسون، وخرج شاهين إلى الباحة ليشاهد الموقف. انقلبت ملامح أزل في لحظة من المرأة المشدودة عاطفياً إلى الدكتورة المحترفة السريعة البديهة. لم تتردد؛ حملت الطفل ببراعة وسرعة وخبرة سنين طويلة في الطوارئ، وضعته على زاوية كرسي خشبي في الساحة، وبدأت تجري له مسعفات الانسداد الرغامي (مناورة هيمليك) بكل قوتها.

