١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

توقفت عند الباب:
— فين دكتور سامح؟
— طلبته حالة طارئة في المجمع الطبي المالي، وقالنا نبدأ نراجع التفاصيل. قالها شاهين وهو يشير للكرسي المقابل له.
ترددت أزل، ثم تقدمت وجلست على طرف الكرسي. فتح شاهين الخريطة الكبيرة وأشار بسبابته:
— هنا.. لو حركنا القاطع ده مترين للورا، هنديكي المساحة اللي أنتي عاوزاها لعيادة الأطفال، وفي نفس الوقت هنحافظ على عرض الممر. إيه رأيك؟
مالت أزل فوق الخريطة لتدرس المخطط. كان قربها الجسدي منه يثير في الهواء توتراً لا يطاق. تنفست رائحة عطره الخشبي، وكان هو يراقب حركة عينيها وشعرها المربوط للورا بانتظام.
فجأة، نطق شاهين بغير مقدمات دون أن يرفع عينيه عن الخريطة:
— أمك.. لسه قاسية زي زمان؟
توقفت أزل عن النظر للخريطة، ورفعت عينيها إليه بذهول.
أكمل شاهين بنبرة شابة تعود لسنوات الخوالي:
— أصلها لما كانت بتشوفني معدي جنب بيتكم، كانت بترميني بأبشع الكلام.. كانت شايفاني نكرة. لما عرفت إنها هي اللي غصبتكي.. حسيت إن الدنيا اتكررت معايا تاني.
تجمعت الدموع في عيني أزل، لكنها حبستها بقوة:
— أمي اختارت اللي هي شايفاه صح يا شاهين.. كانت شايفه إن الفلوس والستر بييجوا من الراجل الغني المقتدر، وأن الحب كلام فارغ بيموت مع أول أزمة. وهي دلوقتي عيانة، كبرت وكرسيها المتحرك هو كل دنيتها.. والفلوس اللي مراد سابها ما جابتلهاش الصحة ولا رجعتلي سنين شبابي اللي ضاعت.
ساد صمت ثقيل بينهما. وضع شاهين القلم من يده، واستند بظهره للمقعد:
— أنتي فاكرة إن أنا عشت سديد ومبسوط؟ أنتي فاكرة إن الشركات والملايين دي جت بس هدايا؟ أنا اشتغلت في الفاعل.. شلت أسمنت على كتفي لحد ما ضهري اتكسر.. سافرت وعشت في حسرة، وكل ما كنت بطلع درجة في النجاح، كنت بقول لنفسي: “أزل باعتك عشان الفلوس.. لازم تبقى أغنى منه ومن بلدها كلها”.
صدمت كلماته الصريحة أزل. كانت هذه أول مرة يعترف فيها شاهين بالدافع الحقيقي وراء صعوده الصاروخي؛ لم يكن مجرد طموح، بل كان جرحاً ينزف يغذيه حب لم يمت ورغبة في إثبات الذات أمام امرأة ظن أنها خذلته.
قالت أزل بصوت مبحوح:
— أنا مابعتكش يا شاهين.. أنا اتكسرت. الفرق بيني وبينك، إنك طلعت من الكسرة دي ومعاك حرية تبني نفسك.. لكن أنا اتقفلت عليا أبواب وسلاسل، وكان مفروض عليا أكون زوجة لرجل أكبر مني بضعف عمري، وأم لطفل وأنا لسه طفلة. لو كنت تعرف النقطة دي.. كنت رحمتني شوية.

