إبن أمه ج1 حكايات منــال عـلـي

الجزء الاول 👇🏼
تخيلوا كده.. لحظة على سفرة الفطار، حتى المعلقة وقفت في نص الطريق!
مش عشان حد خبط على الترابيزة ولا زعق.. لأ خالص. بس فجأة الجو بقى تقيل، زي السكون اللي بييجي قبل العاصفة بالظبط.
وده اللي حصل الصبح ده.. لما الست سهير قالت وهي واقفة قدام البوتاجاز بتهز حلة المحشي:
— بما إنك بقيتي عايشة في بيت العيلة يا مي.. يبقى لازم من دلوقتي تدفعي كل فواتير البيت!
المعلقة خبطت في قاع الحلة، والصوت المعدني ده رن في المطبخ كله كأنه جرس إنذار.
برة الشباك الجو كان مغيم وكئيب، وكوباية الشاي على الرخامة بردت ومحدش لمسها. وعلى الحيطة جنب البرواز وصورة الحج، كانت فوطة المطبخ متعلقة ومتطبقة بالمسطرة.. الفوطة اللي محدش يجرؤ يلمسها من غير إذن حماتي.
هي حتى مبصتليش.. صوتها كان ناشف وثابت، كأنها بتقول كلام حافظاه ومحضراه من زمان.
كنت واقفة وماسكة في إيدي فوطة ريحتها مسحوق غسيل.. نفس الريحة اللي مالية البيت كله؛ نظافة زيادة عن اللزوم، بس من غير أي دفا!
على السفرة كان فيه طبق فطير مشلتت، وجنبه لستة طلبات مكتوبة بخط مرتب وواثق.. خط ست بيت متعودة إن كلمتها هي اللي تمشي وما تنزلش الأرض أبداً.
جوزي كريم كان واقف جنب باب المطبخ، لابس قميصه الأزرق وساعته الغالية في إيده.. وما نطقش بكلمة! سكوته وقتها كان أعلى وأقوى من أي كلام.
كريم.. جوزي بقاله 53 يوم بس!
عينه كانت متابعة أمه من غير أي اعتراض أو حتى تردد، أما الست سهير فكانت ملامحها كأنها أصدرت الحكم خلاص.. من غير محكمة، ومن غير ما تسمع دفاع حد.
بصتلي وقالت:
— وده الطبيعي.. في الآخر إنتِ بقيتي عايشة هنا.
“هنا”.. مش “معانا”، ومش “في بيتك”.. قالت “هنا” بس!
الكلمة وقعت في المطبخ زي طوبة اترمت في مية راكدة. بصيتلهم هما الاتنين، وحسيت إن حيطان الفيلا الكبيرة دي بتضيق عليا يوم بعد يوم، وكأنهم من ساعة ما دخلتها بيحولوني بالتدريج لضيفة.. ضيفة ليها واجبات وبس!
حماتي كانت رجعت فجأة من شهر تقريباً، شايلة شنطتين كبار، بعد ما كانت حلفة ميت يمين إنها هتعيش عند أختها في إسكندرية ومش راجعة تاني.. كريم قالي خبر رجوعها قبل ما توصل بعشر دقائق بس! وقت يدوب يكفي أحط ورد في الفازة، لكن ما يكفيش أبداً إني أستعد للحصار اللي بدأ من بعدها.
ومن يومها.. أوضة الضيوف رجعت بقت “أوضة ماما”، والفواتير بقت تترمى جنب موبايلي، وكل ليلة نفس الأسطوانة: ديون العيلة.. أصول العيلة.. الواجب.. والجميل اللي لازم يترد!
ودلوقتي وصلنا للمرحلة الأخيرة: “لازم تدفعي إنتِ كمان”.
أنا كنت عارفة هي مستنية إيه.. مستنية أتوتر، أبرر، أو أبص لكريم وأستنجد بيه عشان يتدخل.. وساعتها هي كانت هتتنهد وتقول بنبرة تلميح: “شوفتوا؟ ولا عندها أي تقدير!”.
لكن أنا.. ابتسمت وبس! حكايات منــال عـلـي
مش ابتسامة أدب، ولا استسلام.. دي كانت ابتسامة حد أخيرًا لقى القطعة الناقصة في البازل.. اللحظة اللي كل حاجة بتترتب فيها قدامك، وبتفهم فجأة إن اللعبة كلها كانت مبنية على وهم!
الست سهير ما لقطتش الابتسامة.. لكن كريم لقطها، شفايفه اتقفلت بقوة، وحس إن فيه حاجة جوايا اتمحت واتغيرت.
طويت فوطة المطبخ بهدوء.. مرة.. ومرة تانية.
المكان كان ساكت لدرجة إن صوت موتور الثلاجة وهو بيفصل كان مسموع بوضوح. حصري على صفحه روايات واقتباسات
رفعت عيني وبصيتلهم وقلت بكل برود:
— خلاص.. أنا هرجع أعيش في الشقة اللي اشتريتها قبل الجواز.
حماتي بربشت بعينها مرة واحدة.. بس كانت كافية، ملامحها اتهزت للحظة وبصتلي نظرة فيها حسابات كتير أوي.
أما كريم.. فوشه اتخطف وشحب فجأة، لدرجة إن نور الصبح خلاه باين كأنه دمية من الشمع.. وقال بسرعة:
— شقة إيه؟!
ما قالش: “إزاي ما قولتيليش؟”
ولا قال: “إنتِ بتتكلمي بجد؟”
ولا حتى: “ليه؟”
هو سأل سؤال واحد، بارد، ومكشوف:
— شقة إيه؟!
وفي اللحظة دي بالذات.. أنا فهمت كل حاجة!
وعرفت إن السر اللي كانوا فاكرين إنهم مأمنين بيه نفسهم.. هو هو السر اللي هيقلب التربيزة فوق دماغهم كمان ثواني!
تفتكروا مي كشفت إيه في اللحظة دي؟ وإيه السر اللي كريم والست سهير مخبينه في موضوع الشقة بالذات؟ 🤔
لو مستنيين الصدمة اللي هتحصل في الجزء التاني..
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *