بابا قبل جوازي حكايات اماني السيد ٢

مشيت وسبتهم في الصالة زي المجانين، صوت صراخ حماتي ولطمها على وشها نازل يرن في البيت، وصوت عمها وهو بيضرب إبراهيم بالكف على وشه بيتردد على السلم، بينما أنا كنت طالعة خطوتي ثابتة، وضهري مفرود، وابتسامتي نصر حقيقي…
بس الخطة ما انتهتش هنا، والأيام الجاية كانت شايلا لإبراهيم مفاجأة تانية خالص هتخليه يدفع ثمن اللي عمله، مش بس فلوس.. ولكن عمري وحياتي اللي افتكر إنه يقدر يستغلها ببلاش!

طلعت شقتي فوق وأنا حاسة بتقل كابوس أزاح عن صدري، بس في نفس الوقت كان في داخلي بركان لسة م انطفاش. الهيبة اللي إبراهيم حاول يتظاهر بيها والكرامة الوهمية اللي بنى عليها صورة “الابن البار” اتفتت قدام أهله، بس أنا كنت عارفة إني بتعامل مع راجل أناني ومراوغ، وممكن أول ما بيهدأ العاصفة ويطلع من شوك الصدمة، يبدأ يفكر في انتقام أو طريقة يلعب بيها على القانون أو يستغل وجودي في بيت أبا يرحمه عشان يماطل.

دخلت الأوضة، فتحت الدولاب، وبدأت ألم هدومي وأغراضي الأساسية بالراحة. ما أخدتش معايا أي حاجة مش من حقي، ولا حتى حتة قماش واحدة كنت اشتريتها بفلوسه؛ أخدت قماشي، أدوات الخياطة، دفاتر مقاسات الزباين، ومقصاتي اللي بعتبرها سلاحي الحقيقي في الدنيا دي. لميت كل حاجة في شنطتين كبار، ونزلت بيهم على السلم بهدوء شديد.
وأنا نازلة، باب شقة حماتي كان مفتوح على آخره، والصوت جوة كان ينذر بخراب مستعجل. أعمامه كانوا نازلين من على السلم ووشوشهم مظلمة بالخزي، عمو الكبير أول ما شافني طالعة بالشنط وقف، وبصلي بنظرة فيها مزيج من الخجل والاحترام، وقال بصوت مكتوم: “حقك علينا يا بنت الأصول.. إحنا ما كناش نعرف إن إبراهيم يوصل بيه الفجر للدرجة دي. أقسم بالله لو كنا نعرف إن الحجة دي والعفش ده من دهبك ودم قلبك، ما كنا وطأنا العتبة دي ولا قبلنا ناكل عندهم لقمة. أنتِ ست بميت راجل، وحقك هيجيلك ولو إبراهيم ما رجعلكيش حقك، أنا بنفسي هقف قدامه في المحاكم”.

هزيت رأسي بامتنان وقولتله بنبرة هادية بس حاسمة: “تسلم يا عمي، العيب مش عليك ولا على العيلة.. العيب على اللي أمنته على بيتي وحياتي وخان الأمانة وركب فوق شقايا عشان يتعالى عليا. أنا مش طالبة غير حقي وحق وصية أبا، وماشية بيت أبا مرفوعة الرأس”.
سيبتهم ونزلت، أخدت تاكسي ورحت على شقة أبا يرحمه. الشقة كانت مقفولة بقالها فترة، ريحة أبا والماضي كانت مالية المكان. أول ما فتحت الباب ودخلت، رميت الشنط على الأرض وقعدت على الكنبة القديمة اللي أبا كان بيقعد عليها لما يرجع مهدود من الشغل. بكيت.. بكيت مش ضعف، ولا حزن على إبراهيم، بكيت من كثرة التعب والضغط اللي كنت شايلاه جوة قلبي طول الأيام اللي فاتت وأنا بسبك الخطة دي في صمت وتحت عين إنسان كنت فاكراه ضهري وسندي.
بس الدموع ما طولتش. مسحت وشي وقومت فوراً، فتحت الشبابيك عشان الشمس والتجانس يدخلوا الشقة، وشغلت المكنة القديمة بتاعة أبا اللي كانت محطوطة في الصالة، وحطيت عليها زيتها، وجربت صوتها.. كانت بتشتغل بصوت منتظم وقوي، وكأنها بتقولّي: “أنا هنا، وشقاكي مش هيروح”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *