عمي حكايات زهره الربيع ٣

وقفت في الضلمة مش قادرة أتحرك، وإيدي كانت بتترعش وأنا بحاول ألمس الحيطة وأدور على أي حاجة تفتح الباب الحديد اللي اتقفل ورايا. صوت الخبط اللي جاي من آخر السرداب كان مستمر، تلات خبطات ورا بعض، سكتة قصيرة، وبعدها تلات خبطات تاني. حاولت أصرخ: “في حد هنا؟!” لكن صوتي خرج ضعيف ومبحوح. الخبط وقف للحظة، وبعدها سمعت صوتًا واطيًا من ورا الحيطة: “متخافيش… أنا عارف إنك بنت محمود.” اتجمد الدم في عروقي. “مين؟!”

سألت وأنا بلزق ضهري في الحيطة. الصوت رد: “لو عايزة تعرفي أبوكي إزاي… افتحي الباب اللي تحت رجلك.” بصيت للأرض، ولمحت حلقة حديد صغيرة وسط التراب. نزلت على ركبتي ومسكتها، ورفعتها بكل قوتي، فظهر غطاء خشب قديم تحته درج ضيق نازل لتحت. في اللحظة دي سمعت صوت خالي أحمد من بعيد بيصرخ: “إنتي فين؟!” حاولت أرد عليه، لكن صوت الراجل من ورا الحيطة سبقني: “ماترديش! اللي معاه مش كلهم شرطة!” اترددت، لكن خوفي على خالي خلاني أصرخ: “أنا هنا!” بعدها مباشرة سمعت صوت ارتطام شديد، وبعده صمت.

جريت ناحية الباب الحديد وخبطت عليه، لكن مفيش رد. بدأت أنزل الدرج وأنا حاطة إيدي على الحيطة، وكل درجة كانت بتطلع صوت صرير مخيف. نزلت حوالي عشر درجات، لحد ما وصلت لممر ضيق جدًا، وفي آخره باب خشب صغير. فتحت الباب، فظهرت قدامي أوضة مظلمة فيها لمبة واحدة معلقة من السقف. في وسط الأوضة كان فيه راجل كبير مربوط في كرسي، وشكله كان مرهق جدًا، لكن أول ما شافني رفع راسه وقال: “أخيرًا جيتي.” قربت منه وأنا مش مصدقة: “إنت مين؟” قال: “أنا جابر… صاحب أبوكي.” قلبي دق بسرعة. “أبويا كان يعرفك؟” ابتسم بحزن وقال:

“كان أخويا قبل ما يكون صاحبي.” فكيت الحبل من إيده بسرعة، لكنه مسك إيدي وقال: “اسمعيني كويس… مفيش وقت.” سألته: “مين حبسنا هنا؟ ومين عبد الصمد؟” قال: “عبد الصمد كان بيشتغل لحساب ناس أكبر منه، وأبوكي اكتشف الموضوع قبل ما يموت.” سألته: “موضوع إيه؟” سكت شوية، وبعدين قال: “شبكة بتجمع لحوم من مصادر غير قانونية وتخلطها بلحوم الحيوانات وتوزعها على محلات ومطاعم ومصانع. لكن اللي كان بيحصل في بيتكم كان جزء من خطة تانية.”
قلتله وأنا بترعش: “خطة إيه؟” قال: “كانوا بيختبروا حاجة.” “إيه؟” “كانوا بيجربوا تأثير نوع معين من المواد على الناس، وكان عبد الصمد بيستخدم بيتكم لأنه متأكد إن محدش هيشك فيه.” حسيت بالغثيان، وافتكرت كل يوم جمعة وكل طبق لحمة وكل مرة أمي كانت تدعيله. قلت: “طب وإحنا؟ ليه إحنا؟” جابر بص للأرض وقال: “عشان أبوكي كان مخبي دليل ضدهم… وكانوا فاكرين إن الدليل عندكم.” قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت باب بيتفتح فوقنا. جابر رفع صباعه على بوقه وقال: “اطفي النور.” طفيت اللمبة بسرعة، وقعدنا في الضلمة. سمعنا خطوات بتقرب، وبعدها صوت راجل بيقول:

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *