١٨ سنه حكايات اسما السيد 1

تصافح الاثنان. كان آدم ينظر لشاهين بإعجاب فطري لرجل يبدو عليه النفوذ والقوة، بينما كان شاهين يقرأ في ملامح الفتى كل الأيام التي حرم منها، وكل الليالي التي قضاها يبني إمبراطوريته فقط ليمحو من رأسه صورة أزل وهي في أحضان غيره.

— ابن مراد بيه الشافعي.. الله يرحمه. قالها شاهين ببرود يذبح الحجر وهو ينظر لأزل مباشرة. — سمعت إن والدك سابلك تركة كبيرة يا آدم.. حافظ عليها، مش كل الناس بتعرف قيمة اللي في إيديها.

تغيرت ملامح أزل إلى الغضب الساطع. قامت هي الأخرى ووقفت أمام مكتبها، تجابهه بثبات:

— آدم يتعلم يحافظ على نفسه وعقله وتفكيره الأول يا بشمهندس.. الفلوس بتروح وتيجي، إنما النخوة والأصل والقدرة على الفهم.. دي الحاجات اللي بتبني البني آدم حقيقي، ومش أي حد بيمتلكها.

صمت شاهين، وارتفعت زاوية شفته بابتسامة قاسية، كأنه يستمتع برؤية نارها وهي تشتعل.

— مظبوط يا دكتورة.. النخوة والأصل. للأسف، الحاجات دي مبقتش قريبة من كل الناس، وفي ناس بتكتشف إنها ضيعتها بعد فوات الأوان.

دخل مدير الوحدة ليقطع هذا التوتر المكتوم الذي كان يوشك على انفجار الممر:

— طيب يا بشمهندس، المكاتب الهندسية بره مستنية حضرك علشان نعاين موقع البناء للجناح الجديد.. تتفضل معانا؟

رمق شاهين أزل بنظرة أخيرة، نظرة عميقة، حادة، وكأنه يقول لها: “اللعبة ياللا بدأت”، ثم التفت وقال بنبرة صلبة:

— ياللا بينا يا دكتور.. ورانا شغل كتير، وأنا ما بحبش أضيع وقتي في كلام ملوش لازمة.

خرج شاهين ومدير الوحدة، وتركا خلفهما صمتاً أثقل من الجبال. سقطت أزل على كرسيها كأنما قُطعت حبالها. وضع آدم يده على كتفها بحيرة:

— مالك يا ماما؟ الراجل ده شكله يخوف.. وطريقته غريبة قوي.

مسحت أزل وجهها بكفيها المرتجفتين، ورفعت رأسها لابنها، محاولة أن تبتسم ابتسامة باهتة:

— مفيش يا حبيبي.. الإرهاق بس بتاع أول يوم شغل.. روح أنت للبيت، وتأكد إن تيتة أكلت علاجها، وأنا ساعة وهحصلك.

خرج آدم، وبقيت أزل وحدها في المكتب.

أرجعت رأسها إلى الخلف وإغماض عينيها. كانت أصداء صوته تدوي في أذنيها: “أهلاً دكتورة أزل”. لم يكن شاهين هو ذلك الشاب الفقير الذي يكتب لها القصائد تحت شجرة التوت في غيط عمها. شاهين اليوم وحش جريح، بنى قصر نجاحه على ركام حبه القديم، وعاد ليثبت لنفسه وللبلد كلها أنه أوفى وأقدر وأعلى شأناً من الجميع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *