١٨ سنه حكايات اسما السيد 1

اقترب شاهين منها أكثر حتى صار يفصلهما إنشات قليلة. كانت رائحة عطره الخشبي الفاخر تختلط برائحة هواء الأرياف، تحيط بها كالقيد.

— ما أعرفش؟ سأل بنبرة همس حاد كالموس. — أنا أعرف إنك مشيتي معاه.. أعرف إنك سيبتيني أصارع الفقر والذل، وأمي كانت بتموت ومش لاقي حق دواها لأن عمك طردني لما جيت أطلب إيدك! أعرف إنك رضيتي بيه وبفلوسه.. وجايه النهاردة ترجعي بصفتك “الدكتورة الناجحة” اللي جايه تتصدق على أهالي البلد!

انهمرت دمعة واحدة قسراً من عين أزل، مسحتها بسرعة قبل أن يراها في الظلام، وقال بصوت يرتجف من الكتمان:

— أمي جابتني من شعري يا شاهين..!! أمي غصبتني، وقفت قدامي وقالتلي هتفضحينا مع ابن دلال السحارة! بعتتني لمراد وهو عنده أربعين سنة.. اشتريت حريتي وتعليمي بدمي ودموعي في كل ليلة! أنت فاكر إن العز ده كان ببلاش؟ ده كان بسجن.. سجن أشد من سجن الفقر اللي أنت كنت فيه!

ساد الصمت بينهما.

تصنمت حدقتا شاهين. انقبضت ملامحه، وكأن الكلمات نزلتا عليه كالصاعقة، لكن جرح كبريائه الممتد لخمسة عشر عاماً لم يكن ليرممه تصريح واحد في ظلام الليل. كان قد درّب نفسه على كرهها، على جعلها الوقود الذي يدفعه للقمة، وسماع حقيقتها الآن كان يهدد بانهيار كل السدود التي بناها حول قلبه.

تراجع شاهين خطوة إلى الخلف، واستعاد بروده المصنوع بصعوبة، بالرغم من أن عينيه كانتا ترتجفان بذهول مكتوم:

— حكايات المظلومية دي متأخرة قوي يا دكتورة.. خمسة عشر سنة كفيلة إنها تمحي أي عذر. اللي اتكسر ما بيتصلحش بكلام في الشارع.

أدار ظهره متجهاً نحو سيارته، وقبل أن يفتح الباب، التفت إليها بملامح حجرية وقال:

— أنا هنا علشان عندي مشروع لازم يكمل.. والوحدة الصحية دي هتبقى من أكبر المراكز في المحافظة. احتفظي بمشاعر مجروحة وحكايات القديمة لنفسك.. عشان الشغل بينا هيبقى طويل.. وطويل قوي يا أزل.

ركب سيارته وانطلقت فيتم تحريك الغبار في الهواء، متجهة إلى عمق القرية، بينما ظلت أزل واقفة في منتصف الطريق الترابي، وقلبها يخفق بقوة ووجع، تدرك أن عودتها للبلد لم تكن نهاية المطاف.. بل كانت بداية حرب جديدة مع الرجل الذي لم تتوقف يوماً عن حبه، والذي يبدو أنه عاد فقط ليقتص لنفسه منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *