١٨ سنه حكايات اسما السيد 1

— الإدارة المظبوطة هي اللي بتعرف تختار أولوياتها يا دكتورة.. قالها شاهين وهو يسند ذقنه بسبابته، ونبرته تحمل تهكماً خفياً لم يفهمه غيرها. — في ناس بتختار الطرق السهلة، وفي ناس بتحب تبني من الصفر وتستحمل وجع السكة.. والأهم، إن الصبر في الآخر بيكسب.

أحست أزل وكأن حساماً قد غُرس في صدرها. كان يعيرها باختيارها القديم، أو ما ظنه هو “اختياراً”. لم يكن يعلم كيف سُحبت من شعرها، ولا كيف دُعست طفولتها تحت جزمة المادة ورغبة أمها القاسية. بالنسبة لشاهين، أزل هي الفتاة التي باعت حبهما ورضيت برجل أربعيني ميسور لتخرج من “قرف الارياف”، وتركته هو يصارع الفقر والخذلان في أزقة القرية.

قبل أن تنطق بكلمة تدافع بها عن كرامتها المنتهكة، فتح باب العيادة فجأة دون استئذان.

— ماما! أوراق التحويل اللي طلبتيها من السكرتارية اهي..

كان هذا صوت “آدم”. دخل الولد ذو الأربعة عشر عاماً، بطوله الفارع الذي يشبه أباه مراد، لكن بملامح حادة تشبه أمه كثيراً. كان يحمل ملفاً أزرق، ويتحدث بثقة وجرأة ابن الخليج الذي عاش في رغد وتدليل.

توقفت ألسنة الجميع في الغرفة.

تسمرت عينا شاهين على الفتى. انقبض فكه فجأة، وظهت عروق رقبته جلياً وهو يتأمل الطفل—ابن مراد.. الرجل الذي أخذ منه حبيبته، الرجل الذي ملك جسدها ولها منه ولد يناديه “ماما” أمام عينيه. كان هذا المشهد هو الاختبار الأصعب لشاهين؛ القسوة التي ارتدى قناعها كادت أن تتهاوى أمام تجسد الخيانة في صورة هذا الطفل.

وقف آدم محتاراً من الصمت السائد والنظرة الصارمة التي رمقه بها الرجل الغريب الجالس أمامه.

— مين ده يا ماما؟ استفسر آدم بنبرة طفولية بها لمحة من الاستكبار.

أخذت أزل أنفاساً متقطعة، ومسكت يد ابنها بقوة كأنها تستمد منه الحماية، أو ربما تعلن للعالم ولشاهين أن هذا هو درعها الحقيقي.

— ده البشمهندس شاهين يا آدم.. صاحب الشركة اللي بتصمم الجناح الجديد في المستشفى. وده آدم ابني يا بشمهندس.. في أولى ثانوي.

قام شاهين من مقعده ببطء. كان أطول من آدم بكثير، وحضوره طغى على الغرفة بأكملها. نظر إلى الفتى من الأعلى إلى الأسفل، ثم انحنى قليلاً ومد يده لآدم:

— أهلاً يا آدم.. أهلاً بيك في بلدك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *