١٨ سنه حكايات اسما السيد 1

شعرت أزل بغصة تخنق ألمها المتجدد. نظرت إلى يده الممتدة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه الحادتين. لم تكن هناك الشعلة القديمة، ولا العتاب الفاضح، بل كان هناك جدار سميك من البرود الجليدي، يخفي خلفه خبايا رجل أتقن اللعبة وقرر أن يلعبها بشروطه الخاصة.
مدت يدها بخطوة ثابتة حاولت ألا ترتجف فيها، ولمست أناملها كفه. كانت لمسة سريعة، كشرارة كهربائية خاطفة، لكنها أعادت لجسدها ذكريات عصور من الشوق والوجع.
— أهلاً بحضرتك يا بشمهندس.. نورت الوحدة.
قالها صوتها بثبات أذهلها هي شخصياً، الثبات الذي اكتسبته في أروقة المستشفيات وبين أجهزة الإنعاش وهي تصارع الموت وتكتسب لقب “الدكتورة أزل”.
ابتسم مدير الوحدة بقلة حلاوة وهو ينظر بينهما، غير مدرك لحجم الركام الذي يقفان عليه:
— المهندس شاهين هو الداعم الأول للجناح الجديد يا دكتورة، والحقيقة لما عرف إننا بنتوسع في خدمات الأطفال والأورام، ما ترددش لحظة إنه يمول الجزء الأكبر من المشروع.
تحرك شاهين بخطوات واثقة ونزل بنظره إلى المكتب، جائلا بعينيه في أرجاء الغرفة البسيطة، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله ومال برأسه قليلاً:
— المستشفى دي بتخدم البلد كلها، وأنا يهمني إن أهل بلدنا يلاقوا خدمة تليق بيهم.. مش كده ولا إيه يا دكتورة؟
كانت كلماته تحمل بطنها معنى قاطعا؛ “أهل بلدنا” لم تعد تشملها هي، وكأنه يشير إلى أنه يعمل للعامة، وأن وجودها هنا مجرد تفصيل عابر لا يغير من معادلاته شيئاً.
ردت أزل وهي تجلس خلف مكتبها وتحاول استعادة شتات نفسها، مشيرة له وللمدير بالمقاعد:
— أيد واحدة ما بتسقفش يا بشمهندس. التبرعات مهمة، بس الإدارة والتنظيم وتوفير الرعاية الطبية الحقيقية هي الأساس.. ونحن هنا علشان نقدم ده.
جلس شاهين على الكرسي المقابل لها تماماً. وضع ساقاً فوق الأخرى، وانثنت أكمام قميصه الأبيض لتبين سواعده المفتولة. نظر إليها بتمعن لم يخفه، يستكشف التغيرات التي طرأت على الفتاة التي يبكي قلبه لأجلها يوماً. لم تعد تلك الصبية الخائفة ذات الأرجل المرتجفة والأحلام المكسورة؛ أمامه الآن امرأة ناضجة، بثوب طبي أبيض ناصع، ووجه يضج بالهيبة والذكاء، وعينين تغطيهما كبرياء سنوات العذاب.
