١٨ سنه حكايات اسما السيد 1

لكن الألم الأكبر لم يكن بروده ولا تهكمه.. الألم الحقيقي كان في أن أزل تنفست هواه مجدداً. رغم كل شيء، رغم الخمسة عشر عاماً، ورغم قسوة مراد، ورغم كبرياء شاهين القاتل، كان قلبها يطرق ضلوعها بشدة لم تشعر بها منذ كان عمرها ثمانية عشر عاماً.
مرت ساعات العمل كأنها دهر. في مسائها، أغلقت أزل مكتبها وخرجت متجهة إلى بيتها في أطراف القرية—البيت الكبير الذي بناه مراد قبل وفاته ورثته أزل وابنها.
كان الليل قد ألقى بسدوله على الأرياف، ورائحة الطمي والزرع تملأ الجو. نسيم داكن يعيد لها الذكريات. كانت تسير ببطء نحو سيارتها في الموقف الخاص بالمستشفى، حين لاحظت سيارة سوداء ضخمة من طراز أحدث الموديلات تتوقف على جانب الطريق الترابي المقفر المعتم.
كانت السيارة معتمة الزجاج، لكن الباب الخلفي انفتح ببطء، ونزل منه شاهين.
لم يكن هناك مدير وحدة، ولا ممرضات، ولا آدم. كانا وحدهما تماماً تحت ضوء عمود إنارة يتأرجح بفعل الهواء.
توقفت أزل في مكانها، وانقادت مشاعرها بين الخوف والكبرياء.
ارتقى شاهين نحوها بخطوات هادئة حتى صار على بعد خطوات قليلة منها. لم يكن يحمل أوراقاً ولا ملفات. وضعت أزل يدها في جيب معطفها الأبيض واعتدلت في وقفتها:
— خير يا بشمهندس؟ في حاجة تخص الشغل نسينا نناقشها؟
وقف شاهين، ونظر إلى وجهها تحت ضوء الشارع الأصفر الباهت. غابت عن عينيه تلك الابتسامة التهكمية، وحلت مكانها نظرة معتمة، شديدة الغموض والحرارة في آن واحد.
— الشغل خلص من ساعة ما خرجت من عندك يا أزل.. قالها بصوت خفيض، صوت عاد فيه النطق القديم لاسمه بدون ألقاب، صوت شاهين الذي كان يهمس به في أذنها قديماً.
ارتجف فك أزل، لكنها تماسك بصعوبة:
— يبقى مفيش داعي للوقفة دي.. أظن حضرتك عارف إن البلد صغيرة، والكلام بيطير.
ضحك شاهين ضحكة مكتومة، خالية من الفرح:
— البلد؟ خايفة من كلام البلد؟ أنتي من إمتى بتهتمي بكلام البلد؟ مش أنتي اللي سبتي البلد وقرفها وطلعتي على الخليج علشان تعيشي في العز؟
كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر بعير صبرها. تقربت منه خطوة، وصاح صوتها المكتوم بالوجع:
— أنت ما تعرفش حاجة يا شاهين! ما تعرفش إيه اللي حصل! أنت شفت الظاهر.. شفت الواجهة اللي رسمتها علشان أعيش وأحمي نفسي وابني!



