حكايات نرمين عادل 2

– «طب والعمل يا سيادة اللواء؟» سألته بلهفة، «توفيق هدد إنه هيحرق البيت والمحل بكرة العصر لو ما سلمتلوش اللي تحت البلاطة!»
رد اللواء حمزة بضحكة واثقة:
– «بكرة العصر؟ ممتاز.. هما فاكرين إنك خايفة وقاعدة في البيت بتدوري على مخرج.. وده السر اللي هنلعب بيه! أنتِ مش هتستني بكرة العصر يا ندى.. أنتِ هتنزلي المطعم القديم النهاردة بالليل.. الفجر بالظبط! تفتحي بلاطة الفرن بالمفتاح الفضي، وتطلعي الصندوق اللي تحتيها.. وأنا هكون مستنيكي هناك مع رجالتي!»
– «المطعم؟» قُلت بدهشة، «المطعم مقفول من يوم وفاة أمي والمنطقة هناك بتنام من بعد نص الليل!»
– «ده المطلوب بالظبط.. حركة الفجر هي الحركة الوحيدة اللي مش هيتوقعوها.. هما مراقبين البيت هنا في المعادي وفاكرين الأوراق جواه، ومش حاطين في حساباتهم إنك معاكي المفتاح أو إنك عارفة مكان البلاطة الصح.. يلا يا ندى.. البسي هدومك، وانزلي من الباب الخلفي للبيت اللي بيطلع على الممر الجانبي.. عم سيد البواب مستنيكي هناك وعارف هيعمل إيه.»
قفلت مع اللواء حمزة، وحسيت بنار بتسري في جسمي.. الخوف المريض اتلاشى تماماً وحل محله رغبة قاطعة في إنهاء المهزلة دي وإرجاع حق فاطمة وعبد الحميد.
ارتديت عباية سوداء خفيفة، وربطت شعري، وحطيت المفتاح الفضي جوه إيدي، ومعاه تليفوني.. وطلعت من الباب الخلفي للجنينة في الظلام.. لقيت عم سيد البواب واقف مستنيني ومجهز تاكسي قديم تبع واحد صاحبه.
ركبت التاكسي.. وفي الطريق لوسط البلد، كانت شوارع القاهرة فاضية وهادية.. بس جوايا كانت حرب شتعلة!
وصلنا الشارع القديم.. شارع “المبيضة” في وسط البلد.. الدكاكين كلها مقفولة، والأنوار خافته، والمطعم بتاع أمي واقف كأنه شواهد شاهدة على السنين.. محفور على لافتته الخشبية القديمة: «مطعم الأمانة – فاطمة وعبد الحميد».
نزلت من التاكسي بحذر.. مسكت المفتاح الكبيرة وبدأت أفتح القفل المصدي للشراعة الحديدية للمحل.. صوت صرير الحديد كان بيتردد في الشارع الفاضي زي نداء البعث.. فتحت الباب ودخلت، وريحة الفول المحمص والبهارات القديمة والمكان المكتوم ضربت في مناخيري.. ريحة أمي!
شغلت كشاف التليفون.. واتجهت فوراً للمطبخ الداخلي.. الفرن البلدي القديم المبني من الطوب الأحمر كان واقف في الزاوية.. نزلت على ركبي، وبدأت أزيح التراب والصاج القديم اللي مغطي البلاطة اللي جنب القاع.
