حكايات بسمه2 جوزي رجع

دوت القاعة بصدمة القرار. صرخت العجوز وسقطت مغشيًا عليها على أرض القفص، بينما وقف “محمود” يسب ويلعن المحكمة والحراس وهو يُسحب بالقوة، أما “أحمد”… فقد ظل جالسًا على الأرض، شاخصًا ببصره نحو السقف، كأنه جسد بلا روح، غير مبالٍ بالسجن ولا بالسنوات الخمس؛ لأن الروح كانت قد ماتت بالفعل في اللحظة التي سمع فيها كلام أمه وأخيه.
حين التقت عيناني بعينيه لأقل من ثانية وأفراد الشرطة يقادونه إلى الخارج، رأيت في عينيه رجاءً خفيًا، التماسًا للعفو أو النجاة. لكنني أدرتُ وجهي عنه بثبات، ومشتُ نحو باب الخروج بخطوات هادئة.
خرجتُ من مبنى المحكمة إلى الشارع المزدحم. كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، ينعكس ضوؤها على زجاج البنايات العالية. تنفستُ ملء رئتي هواءً نقياً خالياً من ريبة الخيانة وسموم الغدر.
اتصلتُ بالبيت، وجاءني صوت “آدم” البهيج عبر الهاتف:
— ماما! أنتِ جاية؟ أنا عملت الواجب ورسمت لك مفاجأة جديدة!
ابتسمتُ، وسالت دمعة دافئة واحدة على خدي، دمعة ارتياح لا دمعة حزن، وقلت له:
— أنا جاية يا روح ماما… جاية ونبتدئ أحلى أيام في حياتنا.
لم تكن القصة مجرد انتقام أو انتصار في محكمة، بل كانت درساً صريحاً في الحياة: أن بعض العلاقات السامة متى ما أُتيح لها أن تستمر، فإنها تلتهم الأخضر واليابس باسم “المشاعر” و”الصلات”. وأن البر الحقيقي لا يكون أبدًا بالظلم والسرقة والتضحية بالبيوت الشريفة.
وصلتُ إلى بيتي، فتحت الباب بالمفتاح، واستقبلني طفلي بحضن دافئ خالي من أي خوف. أغلقتُ الباب خلفي، وأنا أعلم تمامًا أن الماضي قد أُغلق بأقفال من حديد، وأن المستقبل، رغم صعوبته، سيبنى برأس مرفوعة ويدين نظيفتين لا تُستغلان أبدًا بعد اليوم.

