حكايات بسمه2 جوزي رجع

في صباح يوم حديدي البرودة من أيام يناير، اتصل بي الأستاذ “عماد” المحامي. كان صوته عبر الهاتف يحمل نبرة استثنائية من الجدية والترقب:
— مدام سارة… الجلسة القادمة بعد غدٍ هي جلسة النطق بالحكم في ق\ضية التزوير وتبييض الأموال. لكن طرأت تطورات دراماتيكية جديدة في الق\ضية قد تقلب الموازين بالكامل وتكشف المستور أكثر مما نتخيل.
شعر برودة تسري في أطرافي، وقلت بصوت ثابت:
— خير يا أستاذ عماد؟ إيه اللي استجد؟
رد المحامي برزانة:
— “محمود”… الأخ الأكبر لـ “أحمد”، تم القبض عليه في مطار القاهرة أمس أثناء دخوله البلاد بجواز سفر مزور تحت اسم مستعار! ينبغي أن تحضري الجلسة بنفسك، لأن المواجهة الأخيرة ستكون علنية وفي قاعة جنيات كبرى.
لم أتردد لحظة واحدة. في صباح الجلسة، أودعتُ “آدم” لدى أختي المستأمنة، وارتديتُ بذلتي الرسمية الكحليّة، وأمسكت بحقيبتي بثبات وخطوات واثقة menuju مبنى محكمة الجنايات. كانت القاعة تعج بالناس: محامون، صحفيون استهوتهم القصة، وبعض الأقارب البعيدين الذين كانوا يتابعون السقوط المدوي لـ “عائلة الأكابر” من بعيد بتشفٍّ واستهجان.
جلستُ في الصفوف الأولى بجانب الأستاذ عماد. وبعد دقائق، فُتح الباب الجانبي للقفص، وأُدخل المتهمون الثلاثة.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها الثلاثة مجتمعين داخل قفص الاتهام.
“أحمد”… شاحب الوجه، نحيل بدرجة مرعبة، غارت عيناه وسقط شعره، يرتدي ملابس السجن البيضاء المهلهلة، ويبدو كأنه هرم ثلاثين عامًا في بضعة أشهر.
“السيدة وفاء”… العجوز التي كانت تصول وتجول في بيتي كالطاووس، كانت تجلس على كرسي متحرك داخل القفص، مطأطأة الرأس، تحاول تفادي نظرات الحاضرين، وقد اختفت منها كل مظاهر العنتجية واللسان السليط.
أما الثالث… “محمود”. الابن البار المفضل، الأنيق الذي طالما تباهت به أمه في كل مجلس، وطالما أُكلت أموالي لتبنى له الأمجاد في الغربة. كان يقف في زاوية القفص، يرتدي كلبشات مزدوجة، ملامحه متجهمة والغضب ينز من عينيه وهو ينظر إلى أمه وأخيه بزيادة مقيتة من الكراهية.
نادى كاتب الجلسة على الق\ضية:
— الق\ضية رقم 4582 جنايات… المتهم فيها أحمد، ووفاء، ومحمود!
