حكايات بسمه2 جوزي رجع

أشرقت شمس اليوم التالي ناصعةً خاليةً من أي غمام، وكأن السماء قررت أن تنظّف أفقها كما نظّفتُ حياتي. خرجتُ من بيتي مرفوعة الرأس، ممسكةً بيد “آدم” الصغير الذي استعاد شيئًا من طمأنينته حين رأى الهدوء يجلل ملامحي. كان طريقه إلى المدرسة، وطريقي إلى سراي النيابة العامة؛ حيث تُرسم الخطوط الفاصلة بين الحق والباطل، وحيث يسقط آخر قناع عن الوجوه التي استباحت حياتي لسنوات.

وصلتُ إلى مبنى النيابة، وكان الأستاذ “عماد” المحامي بانتظاري عند البوابة الرئيسية، يحمل حقيبته الجلدية الثقيلة التي تضم أدلة الخيانة المالية كاملة. ابتسم بثقة وهو يقول:

— صباح الخير يا مدام سارة. اليوم حاسم. وكيل النيابة استجوب “أحمد” طوال الليل، والانهيار الذي يمر به جعل اعترف بكل التفاصيل، لكنه ما زال يحاول إبراء ساحته بادعاء الجهل وسوء النية من والدته.

قلتُ بنبرة حازمة وهادئة:

— الجهل لا يعفي من المسؤولية يا أستاذ عماد. من يفتح بطاقة ائتمانية باسم زوجته ويزور توقيعها، يعلم تمامًا أنه يرتكب جري\مة.

دخلنا القاعة، وخلال دقائق كُنتُ أقف أمام وكيل النيابة. كان رجلًا صارم الملامح، يقلّب في أوراق الملف الأسود بعناية شديدة. أُحضرت “السيدة وفاء” – حماتي – من المستشفى تحت حراسة أمنية مشددة، بعد أن أثبت التقارير الطبية أن ادعاءها بالمرض لم يكن سوى محاولة هشة للهرب من المواجهة. كانت تبدو ضئيلة، ذابلة، وقد زالت عنها تلك الهالة من الكبر والاستعلاء التي كانت تتسلح بها داخل بيتي.

أما “أحمد”، فقد أُحضر من محبسه بذلة الحبس الاحتياطي، هائم العينين، شعره منكوش، وشفتان جافتان لم تتوقفا عن الارتجاف. بمجرد أن رآني، حاول الاندفاع نحوي وهو يصرخ بصوت خافت:

— سارة! سامحيني يا سارة… أنا اتخدعت، أنا مظلوم!

قاطعه وكيل النيابة بضربة خفيفة على المكتب:

— المتهم يتكلم لما يُسمح له! اجلس مكانك!

بدأ الجلسة بمواجهة حامية. تلا وكيل النيابة الاتهامات الموجهة لـ “أحمد”: التزوير في محررات رسمية، واستعمال بطاقة ائتمانية دون علم صاحبها، والاستيلاء على أموال غير مملوكة له. ثم التفت إلى الأم وسألها بنبرة حادة:

— سيدة وفاء… التحريات أثبتت إن الحساب البنكي المفتوح باسمك، والذي كان يُغذى من أموال المتهم الأول وزوجته، قمتِ بتحويل مبالغ تتجاوز المليون جنيه منه إلى خارج البلاد، وتحديدًا إلى حساب ابنك الأكبر “محمود” في دبي. كيف توضحين ذلك؟

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *