حكايات بسمه2 جوزي رجع

رن هاتف البيت الأرضي. رفعت السماعة ليعود صوت محامي المؤسسة التي أعمل بها، يهنئني بترقيتي الجديدة إلى منصب مدير قطاع الاستثمار، كفاءةً لما قدمته من عمل دؤوب خلال الأشهر الأخيرة.

ابتسمتُ وشكرته. أغلقت السماعة ونظرتُ إلى الملف الأسود الذي كان يستقر على رف المكتبة. لم يعد ملفًا للوجع أو الأدلة، بل أصبح رمزا للشهادة على ميلاد امرأة جديدة؛ امرأة لم تسمح للضعف أن يكسرها، ولم تجعل العاطفة المزيفة تعمي عينيها عن الحق.

اقترب “آدم” مني، وأمسك بيدي الصغيرة، قائلاً:

— ماما… أستاذة الرسم قالتلي إنه رسمتي النهاردة كانت أحسن رسمة في الفصل… رسمت بيت كبير وفيه شمس، ورسمتك أنتِ وأنا بس.

انحنيتُ وقبّلتُ رأسه، وضممته إلى صدري بقوة، وأنا أقول بثقة لم تتزعزع:

— وده أحلى بيت في الدنيا يا آدم… بيت ملوش أبواب مكسورة، وما يدخلوش أي حد يقدر يسرق أماننا تاني.

خرجنا معًا إلى شرفة الشقة، نرقب المدينة المتسعة أمامنا. كان الهواء نقيًا، وكانت الحياة تبتسم أخيرًا لمن يملك الشجاعة ليقول “لا” في وجه الظلم، ولمن يعرف كيف يحمي بيته وأبناءه من الطفيليات، مهما ارتدت من أقنعة القربى والبر.

مَرّت ستة أشهر على ذلك اليوم في سراي النيابة، ستة أشهر كانت كفيلة بإعادة ترتيب أحجار الشطرنج في حياتي، ودفن أوهام الماضي تحت ركام الحقيقة المرة. استقرت حياتي مع “آدم” في إيقاع هادئ ونظيف؛ صباحٌ يشرق على صلواتنا ودعواتنا النابعة من القلوب، ومساءٌ يجمعنا على طاولة الطعام دون صراخ، ودون منّ ولا أذى، ودون وجوه ترتدي أقنعة التقوى والبر وهي تضمر الشغف بالمال والسيطرة.

لكن القضايا في أروقة المحاكم لا تنتهي بين عشية وضحاها، بل هي كالسواقي التي تدور ببطء لترمي كل ذي حق حقه. كانت ق\ضية التزوير والاستيلاء على أموال القروض والبطاقات الائتمانية تتأرجح بين جلسات التأجيل ومطالبات الدفاع بالإفراج المؤقت. كان “أحمد” يقبع في ظلمات الحبس الاحتياطي، يذوق لأول مرة في حياته مرارة المسؤولية والنتائج الحتمية لأفعاله، بينما كانت أمه “السيدة وفاء” تُنقل بين محبسها والمستشفى الجنائي، بعد أن رفضت النيابة العامة كل التماسات إخلاء سبيلها لخطورة التهم الموجهة إليها ولخشية التأثير على سير التحقيقات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *