حكايات بسمه2 جوزي رجع

وقف رئيس المحكمة، القاضي الجليل ذو الهيبة والوقار، يقلب الصفحات الأخيرة من الملف الممتلئ بالوثائق والأدلة التي جمعتها على مدار ثلاث سنوات، يُضاف إليها تقرير النيابة العامة الجديد.

وقف ممثل النيابة العامة وألقى مرافعة ختامية زلزلت جدران القاعة. تحدث عن خيانة الأمانة، وتفكيك الأسرة باسم الوالدية الفاسدة، وكيف تحول “البر” إلى غطاء دنيء للسرقة والنصب والاستنزاف. وقال في ختام كلمته:

— “إن المتهمة الثانية لم تكن أُمًا تطالب ببر ابنها، بل كانت رأس أفعى يدير شبكة استنزاف مالية ونفسية، استغلت ضعف المتهم الأول وسذاجته، لتقوم بالتنسيق مع المتهم الثالث باستنزاف دماء الزوجة المجني عليها، المسكينة التي كانت تعمل النهار والليل لتسدد ديونًا واهية، بينما كانت الأم وابنها المفضل يكدسون العقارات والأموال في الداخل والخارج!”

في تلك اللحظة، لم يتحمل “محمود” الهدوء. صرخ من داخل القفص بصوت جهوري وهو يؤشر على أمه:

— سيادة القاضي! أنا مظلوم! الأم دي هي اللي أغرتني! هي اللي كانت بتبعث لي الفلوس وتقولي دي حقك من أخوك الضعيف اللي مراته حاطة جزمتها في رقبته! هي اللي كانت بتقولي “سارة” معاها ملايين ومش حاسة بحد، وخلّينا نأمن مستقبلك قبل ما هي تأخد كل حاجة! أنا ما طلبتش منها تزوير ولا سرقة! هي اللي كانت بتدبر كل حاجة مع “أحمد”!

الجمهور في القاعة همس بصدمة. تحول القفص إلى حلبة صراع بين الذئاب!

التفت “أحمد” إلى أخيه “محمود” بذهول وحسرة، وشبكت يداه في حديد القفص وهو يصرخ والدموع تتطاير من عينيه:

— محمود؟ أنت بتقول إيه؟ أنا بعت مراتي وابني عشانك! أنا تسجنت عشانك! أمي كانت بتستلف وتسرق من كارت مراتي وتديننا عشان تبعتلك الفلوس لشركة الديكور بتاعتك في دبي! وتقول لي “أخوك مزنوق وبيموت من الجوع”! وفي الآخر تقول هي اللي أغرتك؟ أنت إيه؟ أنت مش بني آدم؟

صرخت العجوز “وفاء” وهي تلطم خدودها داخل القفص:

— بس! بس يا ولاد! فضحتونا قدام الناس! يا محمود يا ابني ما تقولش كده… أنا عملت كل ده عشانك! أنت حبيبي ونور عيني!

نظر أحمد إلى أمه، وكانت تلك اللحظة هي لحظة الانكسار الأخير والكامل. سقط على ركبتيه فوق أرضية القفص الترابية، ووضع يديه على رأسه وأخذ يبكي بصوت يمزق الصدور؛ صراخ رجل اكتشف في لحظة واحدة أنه قضى حياته يحارب في المعركة الخطأ، وأنه ضحى بالمرأة الوحيدة التي أحبته بصدق ورعت بيته وصانت كرامته، من أجل أم وأخ لم يريا فيه سوى “حصالة نقود” يُستغنى عنها بمجرد أن تجف!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *