حكايات بسمه2 جوزي رجع

لجلجت العجوز، ونظرت إلى سقف القاعة، محاولةً استدعاء دموعها المعتادة:
— يا باشا… محمود ابني كبيري، وكان مزنوق في غربة وبيعمل مشروع… وأحمد كان بيساعدني برضاه! أنا ماليش دعوة بالبطاقات ولا الفلوس دي جابها منين! هو اللي كان بيديها لي ويقولي دي عشانك يا أمي!
في هذه اللحظة، التفت “أحمد” نحو أمه بصدمة ذهول تتجاوز صدمته السابقة. اتسعت حدقتاه، وصرخ بأعلى صوته غير مبالٍ بالنيابة ولا بالحراس:
— إيه؟ ماليش دعوة؟ أنتِ اللي كنتِ بتبكي كل ليلة وتقوليلي يا أحمد أنا هترمى في الشارع! أنتِ اللي كنتِ بتقوليلي مراتك معاها فلوس ومش حاسة بيك! أنتِ كنتِ بتاخدي تحويشة عمري وعرق مراتي عشان تبعتيه لـ “محمود” اللي قاعد في دبي يتفسح وينزل صور عربياته الجديدة؟ أنا بعت مراتي وابني عشانك! أنتِ دمرتيني!
عمت الفوضى القاعة لثوانٍ، قبل أن يتدخل أفراد الشرطة لتهدئة “أحمد” الذي أخذ يصرخ وينتحب كالأطفال، بعد أن أدرك أنه لم يكن سوى الحمار الأعمى الذي يدور في الساقية ليطعم أخاه المفضَّل، تحت مظلة “بر الوالدين” المزيفة.
أخرج الأستاذ عماد مفاجأة جديدة من حقيبته، وقدمها لكيل النيابة:
— سيادة وكيل النيابة، نضيف إلى أوراق القض\ية كشف حركة الاتصالات والمحادثات المسجلة عبر تطبيق “واتساب” بين المتهمة الأولى وابنها “محمود”، والتي أُذِنَ باستخراجها بقرار من النيابة العامة. المحادثات تثبت وجود خطة مدروسة ومسبقة بينهما للضغط على المتهم الثاني (أحمد) لاستنزاف الزوجة (سارة)، ودفعها لتسديد ديون وهمية، بل وتحريض المتهم الثاني على كتابة الشقة باسم أمه تمهيدًا لنقل ملكيتها لاحقًا إلى “محمود”!
هنا، سقطت السيدة وفاء على الكرسي وجف أريج الاستعطاف من وجهها. كانت المحادثات صريحة، تحتوي على عبارات قاسية كتبتها بنفسها: *”اضغط عليه يضيق عليها… هي معاها فلوس كتير ومش هتسيبه عشان الواد… خليه ياخد الفيزا بتاعتها ويخلص القسط، ومحمود محتاج الدفعة الجديدة عشان يكمل ثمن الشاليه”*.
نظر وكيل النيابة إليّ وسألني:
— مدام سارة… هل لديكِ أي أقوال أخرى أو طلبات؟
وقفت بثبات، ونظرت إلى أحمد ثم إلى أمه، وقبل أن أتكلم، استحضرت كل ليلة قضيتها في المطبخ بعد عشر ساعات عمل، كل دمعة سقطت من عيني وأنا أحسب القرش فوق القرش لتسديد قروض حادثته، وكل لحظة شعرت فيها بالإهانة والتهميش داخل بيتي.


