حكايات بسمه1

في تلك اللحظة، خارت قوى “أحمد”. سقط على أقرب كرسي، وبدأ ينظر بين يديه الباردتين وبين أمه. التحول في وجهه كان مرعبًا؛ من ذلك الزوج المغرور الواثق الذي دخل البيت يتبجح بفروسيته وبره بأمه، إلى رجل مكتشف أنه لم يكن سوى أداة، ومغفلٍ كبير في مسرحية هزلية أخرجتها أقرب الناس إليه.
التفتّ أنا نحو المحامي، وقلت بهدوء لم أعهده في نفسي من قبل:
— أستاذ عماد… اتفضل كمل الإجراءات. الضباط معاهم إذن بالنقب أو التحفظ؟
رد المحامي برزانة:
— حضرة الضابط معاه بلاغ رسمي بالتزوير وسحب مبالغ مالية دون علم صاحبة الحساب الاستثماري، بالإضافة لاستغلال التوقيع الإلكتروني. والأستاذ أحمد مطلوب للتحقيق فورًا في القسم لإدلاء أقواله. أما السيدة والدته، فلدينا استدعاء رسمي لها للنيابة العامة بتهمة التستر والتآمر في التبديد والاستيلاء على أموال بدون وجه حق.
هنا صرخت حماتي، صرخة شقّت صمت الشقة، واقتربت مني بضعف مزيف، تحاول أن تمسك بطرف بلوزتي:
— يا بنتي! حرام عليكِ! هتحبسي ابنك وأمه؟ عشان شوية فلوس؟ الفلوس تروح وتيجي! دا أنتِ أكلتِ في بيتنا عيش وملح!
سحبت طرف ثوبي من يدها بقرف شديد، ونظرت في عينيها مباشرة، وبصوت خفيض كالسم الساري قلت:
— بيتك؟ أنا عمر ما دخلت بيتك غير وأنا شايلة هدايا بألفات. العيش والملح اللي بتتكلمي عنه، أنا اللي كنت بشتري دقيقه وزيته. الفلوس ما تفرقش معايا يا سيدة “وفاء”… اللي يفرق معايا إنك سرقتِ سنين من عمري، وسرقتِ راحة ابني، وقعدتِ وسطنا تفرقي بيني وبين طفلي، وتقوليله “دي مش أمك الحقيقية”! الفلوس طين… بس الغدر ده مالوش غسيل.
الضابط خطى خطوات نحو “أحمد”، ووضع يده على كتفه بصرامة:
— اتفضل معانا يا أستاذ من غير وش.
قفز “أحمد” من مكانه كالذبيح، واندفع نحوي، يحاول الإمساك بيدي، وعيناه تفيضان بالدموع:
— سارة! أرجوكِ! سارة اسمعيني! أنا ما كنتش أعرف! والله العظيم ما كنت أعرف إن الشقة باسمها! كانت بتقولي إنها مهددة بالطرد! كانت بتقولي إن أصحاب الملك طاردينها! سارة… أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه، أنا لاتخدعت زيك بالضبط! ما ترمينيش في الشارع… ما تهدّيش بيتنا!
نظرت إلى يديه الممتدتين، ثم نظرت إلى “آدم” الذي كان يقف عند باب الغرفة، يحضن ديناصوره الصغير، ويكتم بكاءه بكفه الصغير. أشرت بيدي نحو الصغير وقلت له:


