بقالي 12سنه حكايات رومانى مكرم 3

سُحِبَ مدحت إلى داخل حجز النيابة العامة والأغلال تقيد يديه، بينما انطلقت الحاجة فايزة في الشوارع تهذي كالمجنونة، تسقط وتنهض، يلفها الذهول والصدمة بعد أن تلقت خبر حبس ابنها أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة جنائية لا مجال فيها للصلح المباشر. لم تعد تشغل بالها بالشقة، ولا بعلا العروس التي طارت، ولا بكلام الناس؛ بل أصبحت ترى ابنها الوحيد يقف على أعتاب سجائر وأسوار السجن المشدد.
داخل زنتاخة النيابة، وقف مدحت في وادي الخوف. كان يحاول شرح موقفه لوكيل النيابة بنبرة متوسلة متلعثمة، زاعماً أن الحقيبة تحتوي على متعلقاته الشخصية وأن ما حدث لم يكن سوى نوبة غضب بين زوجين. لكن وكيل النيابة واجهه بالتسجيلات المصورة الواضحة التي فرغتها المباحث من كاميرات الشارع، والتي أظهرت استعانته بمسجلين خطر للتعدي على زوجته وسرقتها بالإكراه وسحلها في الطريق العام.
صدر القرار كالصفعة التي قطعت آخر أمل لمدحت: “يُحبس المتهم مدحت أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويُجدد له في الميعاد، مع تجديد حبس المشاركين معه، وإحالة القضية إلى محكمة الجنايات بعاجل جلسات.”
أمام باب النيابة، انهمرت الحاجة فايزة على قدمي ريهام وهي تصرخ وتتوسل، تحيط بها نظرات الناس والمارة:
“سامحيه يا ريهام! أنا اللي أخطأت وأنا اللي وزيته يا بنتي! ابني ضاع ومستقبله انتهى! التنازل في إيديكي يا ريهام، ابوسي إيديكي ما تخليش ابني يتسجن، الشقة حقك والفلوس حقك ومش عاوزين منها مليم واحد بس انقذي مدحت!”
نظرت ريهام إلى الحاجة فايزة وهي جالس تحت قدميها. تذكرت اليوم الذي كانت تصب فيه هذه المرأة السموم في أذن ابنها، وتطلب منها إخلائها لشقتها بكل برود وقسوة لمجرد أنها امرأة تحرم من الإنجاب. سحبت ريهام ثوبها ببطء وثبات، وقالت بصوت هادئ ورصين:
“يا حاجة فايزة.. إنتي اللي زرعتي الطمع في قلبه، وإنتي اللي أقنعتيه إن أكل حقي وشقايا شطارة ورجولة. يوم ما طردتيني من بيتي وقريتي عليا الفاتحة مع العروسة الجديدة، ما افتكرتيش إن ربنا حي وموجود؟ مدحت ما أذانيش في فلوس بس، مدحت حاول يهد كرامتي وسحلني في الشارع عشان ينقذ طمعه. القانون هو اللي يتكلم دلوقتي، ومفيش تنازل.”


