حكايات بسمه1

كان كفيل يكسر أي أب.
لكن بعد فوات الأوان.
وفجأة…
جرس الباب رن.
ثلاث خبطات قوية.
أحمد قال باستغراب:
—مين؟
قلت وأنا رايحة أفتح:
—المحامي.
فتحته.
كان واقف ومعاه اتنين من الشرطة.
وفي إيده ظرف مقفول.
بص لأحمد.
وقال:
—قبل ما نتكلم في ق\ضية التزوير وسرقة بطاقة الائتمان…
في حاجة أهم.
حماتي وشها قلب أبيض.
وقالت برجفة:
—لو سمحت…
بلاش.
المحامي فتح الملف.
وقال:
—مدام احتفظت بمكتبنا نراجع أوراق الشقة اللي حضرتك بتقول إنك استأجرتها لوالدتك.
أحمد بلع ريقه.
وقال:
—وبعدين؟
المحامي بصله وقال:
—الشقة دي…
مش إيجار أصلًا.
دي ملك باسم والدتك…
من ست سنين.
سكت الكل.
بصيت لأحمد للمرة الأخيرة.
وقلت:
—دلوقتي…
اسأل أمك.
جابت تمن الشقة منين… وهي كانت طول الوقت بتقول إنها محتاجة فلوس؟
انعقد اللسان في الحلق، وشخصت الأعين نحو العجوز التي بدا وكأنما صُبّ على رأسها ماءٌ باردٌ في منتصف كانون. جمدت في مكانها، وانكمشت ملامحها المستفزة لتتحول إلى أقنعة من الذعر الخالص. صمتٌ ثقيلٌ خيم على أركان الصالة، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت أنفاس “أحمد” المتسارعة، وصوت دقات الساعة الجدارية التي كانت تزنّ بحجم المأساة.
تراجع “أحمد” خطوة إلى الخلف، ترنح كمن تلّقى صفعة بقبضة حديدية، غارت عيناه في وجه أمه، وخرج صوته مبحوحًا، مكسورًا، وكأنه يخرج من بئر عميقة:
— ملكك؟ من ست سنين؟ أمي… الكلام ده صح؟
لم تجب. اكتفت برفع يدها المرتعشة لتغطي فمها، واجتمعت دموع الخوف في عينيها، لكنها لم تكن دموع ندم، بل دموع الشغاف الذي انكشف. تقدم المحامي خطوة إلى الأمام، وفتح الظرف الكبير الذي كان يحمله، واستخرج منه وثيقة تسجيل الشهر العقاري، ملوحًا بها برفق أمام الجميع، ثم قال بنبرة عملية قاطعة:
— الشقة المسجلة برقم 14 في العقار المذكور تم شراؤها بالكامل منذ ست سنوات باسم السيدة “وفاء” – أمك يا أستاذ أحمد. والشيكات المصدقة التي سُدد بها ثمن الشقة كانت تُصرف تباعًا من حساب بنكي كان يُغذى شهريًا… بأموالك أنت، وبأموال القروض التي كانت زوجتك تسددها بجهدها وعرقها، ظنًا منها أنك تعالج أمك أو تدفع إيجار متأخراتها!


