خارج الحسبه ج2 حكايات منــال عـلـي

كانت ندى قاعدة في المطبخ، بتلعب بالشوكة في طبق السلطة بسرحان رهيب. السلطة كانت اسودت ودبلت، وبقت ميكس حزين كده بين أمل امبارح وهد الحيل بتاع النهارده. كريم كان عمال يلف في الصالة رايح جاي زي المجنون، بس مش كأنه مضيع مفاتيحه.. لأ، ده كأنه مضيع “منطقه” في الحياة. أمه، الست سعاد، كانت متربعة على الكرسي اللي جنب الشباك، وحاطة رجل على رجل وعاملة فيها قاضي “منصة” في قضية أمن دولة. بقلم منــال عـلـي
— “يا كريم، خيلتني.. إنت بتلف زي فار محبوس في شوال بقسماط.. بتدور على إيه؟” ندى قالتها وهي لسه باصة في الطبق.
— “ورق الشقة.. مش إنتي اللي قلتي نبدأ نجهز للبيع عشان ننقل؟” رد كريم بنبرة حديد متوفره على روايات واقتباسات ندى لوت بوزها وهي متضايقة: “أنا قلت نشوف اختيارات.. مش تلم هدومك كأننا هنعزل في عشة فراخ بكرة الصبح!”
— “طب لو عايزة تفضلي محبوسة في العلبة الخرسانة دي لحد ما تطلعي معاش..

براحتك،” كريم قالها وهو بيفتح الدولاب بعنف، فوقع عليه جاكيت شتوي وشنطة قديمة “كراكيب”.
ردت ندى بسرعة البرق: “أهو أرحم من بلدكم اللي مفيهاش نت عدل ولا بنشوف فيها بني آدمين.”
الست سعاد اتدخلت بصوت زي “المبرد”: “يا ندى يا بنتي، إنتي مكبرة الموضوع.. برا في هوا نضيف، وأرض ملك، ونزرع خيار وطماطم.. الشقة دي خنقاكي وإنتي مش دريانة.”
— “آه طبعاً.. خصوصاً لما يبقى ورا الحيطة حماة مستنية لي على الهفوة،” ندى قالتها بسخرية تقطر سم.
الست سعاد اتسندت لورا وقالت ببرود: “يا بنتي أنا حذرتك، الست لازم تسمع كلام جوزها طول ما هو عايز مصلحتها.. بكرة تندمي والندم مش بيفيد.”
— “يا ماما بلاش نفتح في الموشحات دي دلوقتي،” كريم قالها وهو بيسحب ملف بلاستيك من قلب الدولاب.
ندى بصت له بنظرة شك وضيقت عينيها: “كريم.. إنت متأكد إن اللي بنعمله ده في مصلحتي أنا فعلاً؟”
— “هيكون في مصلحة مين يعني؟ هتعملي لي التوكيل وخلصنا، والدنيا هتمشي طيارة.”
ضحكت ندى ضحكة مريرة: “آه طبعاً.. توكيل! وأنا اللي بدفع القرض من دم قلبي، وإنت وأمك تاخدوا مفاتيح البيت الجديد؟”
— “ندى! إنتي بتقولي إيه؟! إنتي فاكراني هكل عليكي حقك؟” كريم زعق وهو بيحاول يبان مصدوم.
— “مش فاكرة.. أنا شبه متأكدة.”
الست سعاد قامت ونفضت جلبابها بزهق: “ده شك مرضي.. الرجالة مبيحبوش الست اللي بتفتش وراهم، جربي تبقي زوجة مطيعة بدل ما إنتي قايمة بدور محققة في المباحث!”
ردت ندى بطلقة: “وإنتي جربتي تبقي أم بجد؟ ولا بس بتخططي إزاي تلهفوا “القرشين” اللي حيلتي وتطلعوني من المولد بلا حمص؟”
كريم رفع صوته: “بس بقى! إنتوا الاتنين جننتوني! أنا عايز حياة طبيعية.. بيت، وجنينة، وكلب، وشواية..”
— “وقرض 30 سنة!” ندى قطعت كلامه ببرود. بقلم منــال عـلـي
— “وإيه يعني؟ استثمار للمستقبل،” كريم رد وهو بينفخ.
— “مستقبل مين يا كريم؟” ندى سألته بهدوء يخوف.
كريم اتلخبط، فالست سعاد سدت مكانه فوراً: “مستقبل العيلة طبعاً! هو ده محتاج فقاقة؟”
— “عيلة؟ آه.. بس باسم كريم بس، مش أنا معاكم. أنا عمري ما كنت جزء من الحسبة دي،” ندى قامت ورمت الشوكة: “أنا مش عبيطة.. ومش هعملك أي توكيل.”
كريم قفل الملف بعنف: “براحتك.. بس هتندمي.”
— “يمكن.. بس هبقى ندمانة على نفسي، مش عليك.”
سكتوا كلهم، والصمت بقى تقيل لدرجة تخنق. صوت التلاجة بس هو اللي كان مسموع، ونفس الست سعاد طالع وداخل بنرفزة.
— “بكرة هروح الشهر العقاري.. وهتغيري رأيك،” كريم قالها وهو بيحدف المفاتيح.
— “جرب تمضي ورقة واحدة من غيري.. مش هتبقى نقلة بيت، هتبقى ورقة طلاق،” ندى ردت وهي بتبص له في عينه بجمود.
الست سعاد لوت بوزها: “عيشي بقى في العلبة دي لوحدك.”
ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة: “على الأقل مش قفص.”
وسابتهم ودخلت أوضتها، وجواها فكرة واحدة بتلف: لازم أراجع كل ورقة.. ولو هيلعبوا بيا، أنا اللي هقلب الترابيزة.. وبطريقتي.

لمحة نيوز
رجعت ندى البيت بدري في يوم تاني، مشروع في الشغل اتلغى فجأة. دخلت الشقة من غير صوت، وسمعت ضحكة جاية من المطبخ.. ضحكة الست سعاد، فيها “نشوة” حد كسب الجائزة الكبرى.
وقفت ورا الباب وسمعت العجب:
— “شوفت يا كريم؟ أنا قلت لك.. أهم حاجة تكتب كل حاجة باسمك الأول.. وبعد كده نبقى نشوف مين يعيش فين ومين يخرج.”
— “يا ماما وطي صوتك.. لو ندى سمعت حاجة، الخطة كلها هتفرقع في وشنا.”
— “مش هتسمع.. الستات زي القطط، طول ما الأكل موجود بيمسحوا جوخ.. أول ما يقل، يخربشوا.”
كريم كمل: “كنت فاكرها هتوافق بسهولة.. تعمل التوكيل، نبيع الشقة، نشتري البيت..”
— “والقرض يفضل عليها هي، متنساش دي،” الست سعاد قالت بحدة. “الراجل لازم يبقى ماسك لجام الدنيا في إيده.”
— “بس يا ماما.. ندى دفعت شقا عمرها في الشقة دي.”
— “ما هي دفعت.. وهتفضل تدفع، إنت عايز تصفصف في الآخر بشنطة هدومك في الشارع؟”
ندى كانت

هتدخل تصقف لهم. برافو! تمثيل وإخراج ونصب على أصوله.
كريم صب شاي، وصوت الكوباية رن على التربيزة: “يا ماما.. إنتي متأكدة إنها مش شاكة؟”
— “يا ابني دي ساذجة.. ولو شكت، قول لها ده كله عشان راحتك ودلعك يا نونا.”
ندى ابتسمت.. كده بقى؟ زقت الباب ودخلت بكل هدوء، بس نظرتها كانت تقطع النفس.
— “مساء الخير يا عيلة.. بتتكلموا في إيه؟ قروض؟ شقق؟ ولا إزاي تنصبوا على “الزوجة الساذجة”؟”
كريم اتوتر لدرجة إن الشاي دلق على إيده: “ندى.. الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة خالص..”
— “لأ كمل، أنا مستمتعة جداً،” حطت شنطتها على الكرسي ببرود: “واضح إن في خطة عبقرية.. بس المشكلة إني مش همضي على حرف واحد.”
الست سعاد رفعت راسها بغرور: “إنتي فاهمة غلط يا حبيبتي.”
— “آه الجملة المشهورة.. بتتقال لما حد يتقفش متلبس،” ندى قالت بسخرية.
كريم قرب منها: “ندى اسمعيني بس..”
زقت إيده بعنف: “لأ، إنت اللي تسمع. كنت عايز تضحك عليا.. والأسوأ إني كنت هصدقك. بس دلوقتي اللعبة خلصت.”
طلعت ظرف من شنطتها: “ده إقرار.. وبكرة هروح البنك وألغي أي توكيل قديم، وهراجع كل مليم اندفع.”
الست سعاد زعقت: “ومين عايزك أصلاً بالشك ده؟”. بقلم منال علي
— “يمكن مش إنتي.. بس أنا عايزة نفسي، وحقي،” ردت ببرود الجليد.
كريم ساب البيت بعد 3 أيام، راح قعد عند أمه، وبعد أسبوع بعت رسالة: “ممكن نتكلم بهدوء؟”
ردت بكلمة واحدة: “نتقابل في الشهر العقاري.”
يومها، المكتب كان زحمة وخنقة. كريم لابس قميص وكرافتة، وأمه جاية بشنطتها الجديدة كأنها رايحة تبارك.
— “ندى، إحنا فكرنا.. يمكن استعجلنا،” كريم قال بتمثيل فاشل. “البيت برّه حلم جميل.”
— “والقرض هيبقى باسمك إنت المرة دي،” أضافت الست سعاد بلؤم.
ندى ابتسمت بانتصار: “لسه مصدقين إني هضحي تاني؟ طيب اسمعوا بقى..

الشقة دي بقت باسمي “لوحدي” قانوناً، واتباعت خلاص النهاردة الصبح.”
كريم اتصدم لدرجة إنه قام وقف: “إيه؟! إمتى؟! وبأي حق؟!”
— “حق “الذكاء”.. بعتها بسعر السوق، ومن غير أي لعب ديل.”
— “إنتي خدتي القرار ده من ورايا؟!”
— “آه.. ومن غيرك بقيت باخد قرارات أحسن بكتير.”
طلعت ورقة تانية: “وده إنذار طلاق رسمي.”
الست سعاد اتخضت: “إزاي؟! إحنا عيلة!”
ندى قربت منها وهمست: “العيلة مش بتخطط تطرد بعض يا طنط.”
كريم خبط على المكتب: “هتندمي! مش هيبقى معاكي مليم!”
ندى ضحكت وهي بتلم شنطتها: “بالعكس.. هيبقى معايا نفسي.. وفلوسي.. وكرامتي.”
الموظف كح كأنه بيقول لهم “خلصونا”. ندى لمّت ورقها وخرجت للهوا. برّه، الدنيا كانت زحمة، بس هي حست بخفة غريبة، كأن جبل انزاح من على صدرها.
كريم جري وراها: “ندى استني.. نخلص الموضوع ودي؟”
بصت له بصه أخيرة وقالت ببرود: “يا كريم.. المحل قفل.”
ومشيت.. لحياة جديدة، مفيش فيها
حد بيخطط إزاي يوقعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *