حكايات اماني ٢

.. نسيتنا تمامًا وغسلت إيدها منا».مسك إيدي بقوة وقال بصوت بيترج في الشقة:ـ «أنتِ ارتحتي كدة؟ بناتك جم أكلوا السلطة والرز وانبسطوا ورحلوا بيوتهم مع أزواجهم وعيالهم يعيشوا حياتهم، وأنا هنا قاعد في الهدد ده لوحدي! بيت اتخرب، وامرأة أصيلة ضاعت مني بسبب طمعك وقسوتك!
أنا مش قادر أبص في وشك تاني يا أمي… مش قادر أشوفك وأفتكر إنك السبب في إن مراتي تبصلي بقرف وتقولي أنت سكت على ظالمي!».دخل أوضته، ولم بقية هدومه في شنطة كبيرة بسرعة، وأنا واقفة وراه بترجاه وأصرخ:ـ «يا ابني عشان خاطر ربنا بلاش تعمل فيا كدة!
متسبنيش لوحدي يا ابني، أنا مالياش غيركم!».رمى الشنطة على كتفه، وبصلي للمرة الأخيرة على باب الشقة وقال بصوت حاسم يقطع القلب:ـ «أنا ماشي يا أمي… هأجر شقة بعيد، مش هقدر أعيش في البيت ده تاني، ولا هقدر أجي الشقة اللي تحت، لأن كل شبر هنا بيذكرني بذنبنا في حقها.
.. ادعي ربنا يسامحك، لأن أنا نفسي مش قادر أسامحك».نزل على السلم وبيجري، وأنا بجري وراه وأصرخ بأعلى صوتي في العمارة: «يا ابني ارجع! يا ابني سامحني!» لكن الباب البراني اتعصر وانقفل وراه بصوت عالي. قفلت عليا باب الشقة الفاضية تحت، قعدت في الصالة في الضلمة.
البيت اللي كان مليان دفا وحركة وصوت ساندوتشات الصبح وريحة الفطار والتنضيف، بقا قبر بارد، ميهوش غيري أنا وذنبي وخيالي اللي بيطاردني في كل ركن. مرت أسابيع وأنا عايشة في الشقة زي الميتة اللي نسيوا يدفنوها.
السكوت في البيت كان له صوت، صوت بيصرخ في أذني كل ثانية ويذكرني بأيامي السودة. ما بقاش في حد يدخل عليا الصبح بريحة الفطار، ولا حد يحطلي كوباية الشاي، ولا حد يصحى بدري يجهز بنتي أو يمسح التراب.
الشقة بقت مطفية، كأن نيتها ومشى مع خطوات مرات ابني وهي طالعة من الباب ورافعة رأسها ومكسور قلبها. بناتي اللي كنت بعمل عشانهم العزومة وكانوا الشماعة اللي علقت عليها قسوتي، بقوا يجوا يزوروني بالقطارة، يدخلوا من الباب وعيونهم زي اللي خايفين يطولهم الذنب.
يقعدوا نص ساعة، الكلام بينهم وبيني بقى بحساب وببرود، يخلصوا الزيارة ويمشوا بسرعة كأنهم يهربوا من بيت مجذوم. حتى الكبيرة فيهم، لما حاولت أشتكيلها في يوم وقلت لها «ابنكوا سابني وهجر البيت»، بصتلي بنظرة كلها حسرة وقالتلي: «أنتِ اللي عملتي كدة يا أمي…

