حكايات اماني ٢

أحنا كنا بنيجي ناكل ونمشي، لكن أنتِ طحنتِ بنت الناس وخليتينا ناكل من لحمها وهي بتعيط، وجايين دلوقتي ندفع كلنا الثمن».أما ابني… فكان خبره مقطوع تمامًا. غير رقم تليفونه، وبقى يبعتلي مصروف الشهر مع راجل جاره من غير ما يكلف خاطره يكتب كلمة في ورقة أو يسأل عن صحتي.
الشقة فوق بقت جثة هامدة، التراب اتراكم على أبوابها وشبابيكها، وكل ما أطلع السلم عشان أرمي زبالة أو أنشر غسيل، عيني تيجي على بابهم المقفول، وأحس بقلبي بيتفرك داخل صدري. في يوم، كنت قاعدة في الصالة في الضلمة على نفس الكرسي اللي كنت قاعدة عليه يوم الغدا الشؤم.
التليفون الأرضي رن. طرت عليه بإيدين بترتعش، كنت متأملة يكون ابني، أو حتى مراته تصرخ فيا وتشتمني، أي صوت يحيي الموات اللي أنا فيه. رديت بصوت مبحوح: «ألو… يا ابني؟».جالي صوت ست، هادي بس مليان جدية وصارمة:ـ «السلام عليكم، حضرتك أم فلان؟
».ـ «ايوة أنا… خير يا بنتي؟ ابني جرى له حاجة؟!».ـ «أنا الدكتورة شيرين، زميلة الأستاذ فلان في العمل. أحنا بيكلمك لأن الأستاذ فلان بقاله أسبوع مش بيجي الشغل، ولما زمايله راحوا الشقة اللي مأجرها عشان يطمنوا عليه، لقوه في حالة صحية صعبة جدًا ومستسلم للمرض تمامًا ومش راضي يروح مستشفى ولا يفتح بابه لحد».
أول ما سمعت الكلام، الركبتين خارت تحت مني ووقعت على الأرض. صرخت في التليفون: «ابني! فين شقته يا بنتي؟! قوليلي عنوانه فين بسرعة!».أخدت العنوان وأنا مش شايفة قدامي. نزلت الشارع في منتصف النهار، طالعة أتحثر وأجري زي المجنونة، الشال بتاعي بيقع مني وأنا بلمّه بإيد وبسند بالحيطة بإيد ثانية.
أخدت تاكسي ووصفلت للعنوان… كان بيت قديم في حي بعيد، طلعت السلم وأنا بنهج ونفسي بيتقطع، وخبطت على الباب بأيدي الاثنين وأنا بأصرخ: «افتح يا ابني! افتح لأمك يا فلان!».سمعت حركة بطيئة وجرجرة رجليك جوة الشقة. الباب اتفتح ببطء، والمنظر اللي شفته خلاني ألطم على وشي وأقع على ركبي.
ابني كان خاسس النص، وشه أصفر زي الليمونة، دقنه طويلة ومهملة، وعيونه غايرة جوة جمجمته ودبلانة تمامًا. كان لابس هدوم دبلانة ورائحة المكان كانت طالعة قلّة وغم. بصلي بعيون مطفية، ما كانش فيها حتى الغضب اللي كان فيه زمان… كان فيه تسليم بالضياع. ـ «جاية ليه يا أمي؟

