جهاز عروسه ج2 ل أماني سيد
ساد صمت تقيل في المطبخ، مكنش فيه غير صوت البوتاجاز وهو شغال. فجأة، دخل ابني المطبخ، سمع صوت العياط المكتوم لمراته وصوتي العالي، وقف في نص المطبخ، باصص للكرتونة اللي في إيدي، وباصص لمراته اللي كانت بتحاول تمسح دموعها.
بصلي وقال بصوت هادي بس كان فيه نبرة اعتراض: “يا ماما، في إيه؟ ليه كل ده؟ دي مراتي، وحاجتها، ومن حقها تستخدم اللي هي عايزاه وتفرح بجهازها اللي أهلها جابوهولها، مش ده كان المفروض يبقى بيتها وتفرش فيه براحتها؟”
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. بصيت له بحدة، ورميت الكرتونة على الرخامة بصوت خبطة قوي، ووقفت قدامه، نظرة عينيا كانت كافية تسكت أي حد:
“بتقول إيه يا ضنايا؟ حاجتها؟ وأنا بعمل إيه؟ أنا مش عايزة ليها غير مصلحتها! هي صغيرة ومش فاهمة قيمة الحاجة اللي معاها، وبكرة لما الحاجة دي تتبهدل وتتخربش وتتكسر، هي اللي هتندم وهتقولي يا ريتني سمعت كلامك. وبعدين، دي أصول؛ العروسة الشاطرة هي اللي بتعرف تداري وتخبي وتجدد، مش اللي تفرش كل جهازها في أسبوعين وتقعد بعد كده تشتكي إنها مش عارفة تجيب جديد!”
بص لابني بنظرة حازمة وكملت بلهجة فيها نوع من “الاستعلاء التعليمي”: “ملكش دعوة إنت بالديتيلز دي، دي حاجات بيت، وإدارة مطبخ، وإنت راجل مش هتفهم في قيمة الحاجات دي ولا في حفظها. أنا فاهمة أنا بعمل إيه كويس جداً، وعارفة إيه اللي يريحها وإيه اللي يخلي بيتها يفضل عريس وعروسة سنين طويلة.”
ابني وقف محتار، بص لمراته اللي كانت بتبص للأرض، وبص لي، حاول يفتح بقه يقول كلمة تانية، بس أنا سبقت، وقربت منه ومسكت دراعه بطريقة تخلي أي حد يسكت: “اسمع كلامي، أنا بخاف على بيتك أكتر ما بخاف على نفسي، وأنا عارفة مصلحة مراتك إيه.”
التفت للعروسة، ورميت لها نظرة “تحذيرية” باردة، وقلت لها: “طقم التوزيع ده يدخل المخزن، ومحدش يفتحه غير لما أنا أقول، سمعتي؟”
طلعت من المطبخ وأنا مرفوعة الرأس، وبنتي ورايا زي ضلي، وسبتهم واقفين في المطبخ، البيت كان هادي بس كان فيه “شرارة” بدأت تتولع تحت السطح، وأنا كنت متأكدة إن سيطرتي لسه قوية، وإن أي محاولة للتمرد على “خطة المخزون” هتتواجه بنفس الحزم.
مرت الايام والشهور
والخطه ماشيه تمام وبنتى اتخطبت
بعد ما خطوبة بنتي تمت، قعدت مع ابني في يوم كان جاي يزورني فيه، خليت الجو هادي، وطلعت كوباية شاي بمرمرية، وبدأت أفتح معاه الموضوع بأسلوب الست “الحكيمة” اللي خايفة على مصلحته.
“بقولك إيه يا ابني.. أنت عارف إن أختك دي قطعة مني، وأنا عارفة إنك لسه متجوز ومصاريفك كتير، ومش عايزة أحملك فوق طاقتك وأنت بتجهزها. فكنت بفكر.. مراتك ما شاء الله عندها ‘مخزون’ كبير، وشايلة أطقم ملايات وفوط كتير في الشقة، وأنا متأكدة إنها مش هتستخدمهم كلهم في وقت واحد، دول مركونين وبقالهم شهور محدش لمسهم.”
بص لي باهتمام، فكملت بلهجة فيها شفقة: “بدل ما أنت تروح تشتري وتتكلف وتدفع دم قلبك والأسعار بقت نار، إيه رأيك تطلب منها تطلع طقمين ملايات وكام طقم فوط من اللي مركونين دول؟ أهو يكونوا مساعدة لأختك في جهازها، وتعتبر دي هدية من أخ لأخته، وفي نفس الوقت أنت كده بتخفف على نفسك المصاريف، بدل ما تضطر تستلف أو تضغط على نفسك.”
ابني سكت شوية، ملامحه كانت بتعبر عن التردد، فدورت “ماتور” الإقناع أكتر:
“يا ابني دي أصول، وأنا مراتك أعرفها كويس، هي طيبة وبتحبك، لو أنت طلبت منها بكلمة حلوة، هتفرح إنها بتساعد في جهاز أختك، وهتحس إنها بقت جزء من العيلة اللي بتساعد بعضها. ده غير إن الحاجه دي لو فضلت مركونة كده هتتركن على الفاضي، لكن لما تروح لأختك وتستخدمها، يبقى كأنها راحت في مكانها الصح.”
فضلت وراه بالكلمة الحلوة والمنطق بتاع “أنت لسه متجوز ومصاريفك كتير”، لحد ما لقيته بدأ يقتنع. هو في الآخر شاب، ومش عايز يحس إنه مقصر في جهاز أخته، وفكرة إنه “يوفر” من حاجته الموجودة أصلاً كانت مغرية ليه.
خيم الصمت فجأة على الأوضة، والكلمات اللي كنت رتبتها عشان أقنعه بيها بدأت تتساقط واحدة واحدة لما شفت ملامحه بتتغير. بص لي بصه عمري ما شفتها في عيونه، نظرة صدمة مخلوطة بخيبة أمل كبيرة، والبسمة اللي كنت راسماها على وشي بدأت تتبخر.
سكت لحظة، وبعدين اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مخنوق: “يعني يا ماما.. إنتي كنتِ بتمنعي مراتي تستخدم جهازها وتفرح بيه، وتعملي فيه حفلة وتزعقي لها عشان ‘تحافظ عليه’.. كل ده عشان كنتِ راسمة عليه لبنتك ؟ كل ده عشان تاخدي من جهازها تفرشي لأختي؟”
حاولت أقطع كلامه بسرعة وأنا بداري ارتباكي: “يا ابني افهمني، أنا كنت خايفة على حاجتها تبوظ، وبعدين دي أصول، العيلة بتساعد بعضها، وأختك أولى..”
قاطعني بنبرة حادة، لأول مرة أشوفه واخد الموقف ده مني: “لا يا ماما، كفاية كده. أنا سكتّ كتير وكنت فاكرك بجد خايفة على مصلحة بيتي ومراتي، وطلعتِ بتديري بيتي عشان تجمعي ‘مخزون’ ليكي. إنتي كده ما حافظتيش على جهازها، إنتي كنتِ بتحرسي الحاجة عشان تاخديها.”
قام وقف وبص لي بوجع: “مراتي كانت بتعيط ومحروق دمها عشان طقم توزيع بسيط، وكنتِ بتخليني أضغط عليها عشان إرضاءً ليكي، وفي الآخر يطلع ده السبب؟ أنا كنت فاكرك بتعلميني الأصول، طلعتِ بتعلميني إزاي أستغل بيت بيتي.”
حسيت بلساني تقل، والكلمات هربت مني، خصوصاً لما كمل: “أنا مش هطلب منها حاجة، ولا هقرب من كرتونة واحدة شايلاها. الحاجة دي بتاعتها، وأهلها جابوها عشان هي تفرح بيها، مش عشان نتسلفها ونوزعها. وإذا أختي محتاجة، أنا هشتري لها من حر مالي، بس مش من ورا ظهر مراتي ولا باستغلال تعبها.”
وقفت مذهولة من كلامه، الكلمات وقعت على ودني زي الصاعقة. ابني واقف قدامي، لأول مرة أشوفه واعي بكل تفصيلة، عيونه فيها نظرة عتاب قوية خلتني أحس بصغري قدامه.
كمل ابني كلامه وهو صوته بيترعش من كتر الغضب المكتوم: “أختي عندها اللي يكفيها وزيادة من ورث بابا، الله يرحمه كان عامل لكل واحد فينا وديعة بتأمن مستقبلنا، ومستحيل أختي تكون محتاجة لدرجة إننا نمد إيدنا على بيت تاني عشان نجهزها.”
قرب مني خطوة، وكأنه بيواجهني بالحقيقة اللي كنت بحاول أداريها بكل ذكاء مصطنع: “سؤالي ليكي يا أمي، وبصراحة.. تقبلي على نفسك؟ تقبلي إن لما أختي تتجوز، تيجي حماتها وتقولها ‘سيبي حاجتك وشيليها’، وبعدين تاخدها عشان تجهز بيها بنتها؟ تقبلي إن تعب بابا وشقاه اللي جابهولي عشان يسترها بيه يروح لحد غيرها
سكت شوية، والهدوء اللي كان في الأوضة بقى تقيل ومخنق، وبعدين كمل بوجع: “أنا كنت فاكرك بتعلميني الأصول، بس طلعتِ بتعلميني الطمع. مراتي دخلت بيتي وهي واثقة فيكي، شافت فيكي الأم اللي هتحافظ على بيتها، مش اللي بتعدّ عليها كراتينها. إزاي هبص في وشها تاني؟ إزاي هقولها إني كنت بضغط عليكي عشان أفرش بيت أختي من ورى ضهرك؟”
حاولت أفتح بوقي أدافع عن نفسي، أقوله “دي وجهة نظر”، أو “أنا كنت فاكرة”، بس الكلام اتحشر في زوري. ملامحه كانت بتعبر عن خيبة أمل كبيرة في “الأم” اللي كان فاكرها الحكيمة.
نزل عينيه عني، وبص للنوتة اللي في إيدي بقرف: “الورقة دي يا أمي ارميها . أنا كنت حاطط فيكي كل الثقة، ومراتي كمان. خسارة إننا وصلنا للمرحلة دي، وخسارة إنك فكرتي في أختي بالطريقة دي، لأن أختي أكرم من إنها تتجهز من ورا ضهر حد، وأنا أكرم من إني أكون وسيلة لده.”
سحب مفاتيح عربيته من على التربيزة، وبصلي نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وخرج وقفل الباب وراه بقوة. فضلت قاعدة مكاني، النوتة سقطت من إيدي على الأرض، وكل الحسابات والخطط اللي رسمتها بقالي شهور، اتشافت في لحظة إنها مجرد “سقطة” كبيرة في حق نفسي قبل ما تكون في حق غيري. قعدت لوحدي في البيت، والهدوء اللي كنت بحاول أفرضه في كل مكان، بقى هو الوحيد اللي بيحاصرني دلوقتي.
ليلتي دي كانت أطول ليلة عدت عليا في حياتي. قعدت في أوضتي، الضلمة حواليا كانت خانقة، وكلام ابني لسه بيرن في وداني كأنه رصاص.. “تقبلي على نفسك؟”. الجملة دي كانت بتجلدني، وكل ما أحاول أغمض عيني، أشوف صورة مرات ابني وهي بتعيط يوم ما خدت منها طقم التوزيع، وأشوف نظرة الخيبة في عين ابني وهو بيسيبني ويخرج.
مسكت النوتة اللي كنت فاكراها “خطة استراتيجية”، لقيتها دلوقتي مجرد كومة ورق فضحت طمعي وسوادي. قعدت أراجع تصرفاتي شهر بشهر.. إزاي كنت بدخل المطبخ كأني “مفتش”، إزاي كنت بلعب على وتر “الحنية” عشان أوصل لغرضي، وإزاي أقنعت نفسي إن اللي بعمله ده “مصلحة العيلة” عشان أداري الحقيقة الوحيدة.. إني كنت بستغل طِيبة العروسة عشان أريح نفسي وأوفر لجيب بنتي من جيب غيري.
كلمة ابني عن “ورث بابا” فجرت جوايا حقيقة تانية كنت دافناها؛ أنا مش بس استغليت العروسة، أنا أهنت كرامة ابني ورجولته قدام نفسه. هو كان شايفني “الحكيمة”، وأنا كنت في نظره “المستغلة”. قعدت أقلب في الورق، كل علامة “صح” كنت بحطها بفخر، دلوقتي بقت بتوجع قلبي زي السكاكين.
قمت مشيت في الصالة، بصيت في المراية.. شفت واحدة تانية، واحدة الستات دايماً بيحذرو منها، “الحماة اللي بتدير بيوت ولادها بالتخطيط والكدب”. افتكرت نظرة العروسة يوم ما شالت الحاجات، كان فيها ثقة عمياء فيا، ثقة أنا خنتها بأبشع طريقة ممكنة.
بدأت أسأل نفسي: أنا ليه عملت كده؟ عشان الفلوس؟ ولا عشان حب التملك والسيطرة؟ ولا عشان كنت فاكرة إني أذكى من الكل؟ الحقيقة المرة اللي واجهتني في نص الليل هي إني كنت “ببني” جهاز بنتي على “خراب” ثقة ابني فيا، وعلى كسر قلب واحدة مكنش ليها ذنب غير إنها وثقت في “حماتها”.
دموعي نزلت، ولأول مرة من سنين، بكيت مش على حد، بكيت على نفسي. حسيت إني كبرت، بس مش في السن، كبرت في الغلط. قعدت أراجع كلامه تاني وتالت، كل جملة كان ليها معنى، كل كلمة كانت بتشيل قناع من على وشي.
ساعة الفجر أذنت، وأنا لسه في مكاني، ماسكة الورقة، قررت إني لازم أصلح اللي انكسر، حتى لو التمن غالي. قمت، قطعت الورقة حتت صغيرة، ورميتها في الباسكت. رميت معاها “خطة” طويلة من الأوهام والكدب. بس السؤال اللي كان محيرني دلوقتي.. هل ممكن ابني يسامح؟ وهل مرات ابني ممكن تبصلي تاني بنفس الثقة بعد اللي عملته؟
قعدت على سجادة الصلاة، ورفعت إيدي لربنا، بدعي بقلب مكسور إن يغفر لي، وإن يلهمني إزاي أرجع الحق لأصحابه، وأكسر “المخزن” اللي بنيته من غير ما يهد بيتي كله. الليلة دي كانت أول ليلة بجد أواجه فيها نفسي، وبدأت أفهم إن “الشطارة” مش في إزاي تجمعي حاجات، الشطارة هي إزاي تحافظي على قلوب الناس اللي حواليكي.
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا واخدة قراري، جهزت شنطة فيها طقم كاسات كريستال كان عندي، وجمعت كل “المخزون” اللي كنت شايلاه يخصها في كراتين نظيفة، وطلعت على بيت ابني. قلبي كان بيدق بعنف، خايفة من نظرة ابني، وخايفة أكتر من نظرة مرات ابني.
فتحتلي الباب، وشها كان باهت ومخفية فيه علامات التعب، ابني كان واقف في الصالة، نظراته كانت محايدة، لا فيها ترحيب ولا فيها غضب. دخلت المطبخ بقلب جامد، ونزلت الكراتين على الرخامة، وقلت بصوت بيترعش من التأثر: “يا حبيبتي، أنا جيت النهاردة عشان أعتذر لك. قعدت مع نفسي وفكرت.. لقيت إني كنت غلطانة. الحاجة دي جاية عشان تتهني بيها وتفرحي ببيتك، ولو مافرحتيش بيها دلوقتي وإنتي عروسة، هتفرحي بيها إمتى؟ ده جهازك وحقك، وأنا اللي كنت غلطانة لما فكرت إني ‘بحافظ’ عليكي، وأنا في الحقيقة كنت بحرمك من حقك في الفرحة.”
طلعت طقم التوزيع اللي كنت سحبته منها، وحطيته قدامها بابتسامة ندم، وكملت: “يا بنتي، طلعي حاجتك، افرشي ملاياتك، استخدمي أطقمك، البيت بيتك، وأنا مش عايزة أشوف غير سعادتكم.”
بصيت لمرات ابني مستنية رد فعل يطمن قلبي، مستنية أشوف فرحة في عينيها، أو حتى ابتسامة صلح، بس الصدمة كانت في رد فعلها. بصت للكراتين ببرود، وقالت بهدوء غريب: “يا طنط، أنا بجد مش فاهمة ليه كل الكركبة دي؟ أنا فعلاً مرتاحة كده. وماما لما زارتني وشافت نظامي في المطبخ، عجبها جداً، وعملت زيي بالظبط، شالت كل الكركيب الزياده فى مطبخها
وقفت مصدومة، مش قادرة أستوعب كلامها. هي مش بس مش فارق معاها الحاجة، دي كمان خدت “فلسفة التخزين” بتاعتي اللي كنت فاكراها “طمع” وحولتها لأسلوب حياة مقتنعة بيه هي وأهلها! كملت هي بابتسامة هادية: “وبعدين يا طنط، أنا مابقتش أعرف أطبخ وأنا شايفة الرخامة زحمة، أنا اتعودت على النظام ده، والمخزون ده في بيت ماما أضمن وأبعد عن أي كركبة هنا. خليهم عندك أو ودي لجوزي يرجعهم لبيت ماما، أنا بجد مش محتاجة غير اللي قدامي ده.”
بصيت لابني اللي كان واقف بيسمع، ملامحه مكانتش بتدل على غضب، بالعكس، كان بيبص لي بنظرة شفقة، وكأنه بيقول لي: “شوفِ، اللي زرعتيه فيهم بقى جزء من تفكيرهم، حتى لو إنتي رجعتي في كلامك.”
وقفت في الصالة مذهولة، والكلمات وقفت في زوري. بصيت لابني، لقيته باصص لي بنظرة كلها حنية، نزل لمستواي ومسك إيدي وباسها، وقال بصوت واطي عشان مراته ما تسمعش: “يا أمي، كفاية كده.. أنا عارف إنك ندمتي، وعارف إن نيتك دلوقت بقت صافية، ومفيش داعي نفتح في اللي فات، البيت محتاج هدوء مش محاسبة، وأنا مسامحك عشان أشوفك مبسوطة في بيت ابنك.”
قبل ما ألحق أرد أو أستوعب كلامه، لقيت مرات ابني داخلة عليا بابتسامة زي الورد، وفي إيدها شنط كبيرة تقيلة. حطيتهم على الكنبة وقالت بصوت مليان ود: “يا طنطدى هدبه بمناسبه خطوبه جودى ، وكنت جايبة الحاجات دي جديده ومكنتش لسه فتحتها.. خدي يا طنط دول هدية مني لأختي الصغيرة، عشان تجهز نفسها وتفرح، ومبروك عليها مقدماً.”
فتحت الشنط.. لقيت طقمين ملايات تطريزهم يجنن، وطقمين فوط من أغلى الأنواع، والأحلى.. طقم حلل جديد تماماً، لسه في كراتينه.
حسيت ببركان في قلبي، وبغصة في حلقي خلتني مش قادرة أتمالك نفسي. دي البنت اللي أنا كنت بحرمها من استخدام حاجتها، اللي كنت بستخسر فيها تفرش بيتها، اللي كنت “بسرق” فرحتها عشان أجهز بنتي.. هي دلوقتي بتدي بنتي من “جهازها” اللي أنا حاولت أستولي عليه.
من غير تفكير، رميت نفسي في حضنها، وضميتها بقوة لصدري، وبدأت أعيط.. عياط الندم، عياط الست اللي اكتشفت إنها كانت “فقيرة” في روحها رغم إنها حاولت تملأ بيتها حاجات. كنت بضمها كأني بحاول أسترد ثقتها، وبحاول أغسل بدموعي سواد التفكير اللي سيطر عليا شهور.
كنت بقولها في سري: “يا ريتني كنت زيك، يا ريتني كنت بالطيب ده، يا ريتني ما خسرت نفسي وعيالي عشان كراتين وأطقم”.
حسيت في اللحظة دي إني اتعلمت أعظم درس في حياتي؛ إن الأم مش اللي بتجمع وتخزن، الأم هي اللي بتزرع المحبة والتسامح. خرجت من حضنها وأنا بمسح دموعي، وبصيت لابني اللي كان مبتسم وراضي، وحسيت لأول مرة بسلام داخلي حقيقي، بسلام أغلى من كل “المخزون” اللي كان ممكن أجمعه في الدنيا.
قررت ساعتها إني هفتح صفحة جديدة، هكون الحماة اللي هي محتاجاها، الأم اللي بنتها هتفتخر بيها، وهحط كل “جهازي” اللي كنت شايلاه تحت تصرفها هي وجوزها، مش عشان أسيطر، لأ.. عشان أرد جزء بسيط من الطيبة اللي واجهوني بيها

