حكايات اماني ٢

أنا نسيتك… نسيت إنك كنتِ موجودة أصلًا. وبدال ما تتأسفي، روحي ابني شقة جديدة لابنك وعروسة جديدة تخدمك وتعملك عزومات بنتك، لأن أنا خلاص… الحرمة اللي كانت بتسامح وتعدي ماتت مع أبويا يوم ما قفلتي التليفون».
حاولت أمد إيدي ألمسها، أترجاها، بس أمها مسكت الباب وقالت بصرامة:ـ «يمين بالله لو ما مشيتِ فورًا لأطلب الشرطة وأجمع عليكِ المنطقة كلها، البنت ماهيش راجعة، وحق أبوها المقهور اللي مات ونفسه فيها مش هنسيبه. امشي يا ست أنتِ وماتوريناش وشك تاني!».ورزعوا الباب في وشي بقوة هزت السلم كله.
فضلت واقفة مكاني في الضلمة، ساندة ضهري على الحيطة وأنا مش قادرة أتنفس، حاسة إن الدنيا كلها أطبقت عليا. نزلت السلم بالعافية، كل خطوة كانت تقيلة كأني جارة سلاسل ورخام. خرجت للشارع وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، الناس رايحة وجاية وأنا حاسة إني كائن مشوه ماشية وسطهم، شايلة ذنب وقتل روحي وعمار بيت بإيديا.
رجعت البيت على أواخر النهار. الشارع كان هادي، ودخلت العمارة الساكتة. طالعة على السلم لقيت باب شقة ابني فوق مفتوح موارب، ونور ضعيف طالع منه. قلبي اتقبض، طلعت بسرعة وأنا بنادي: «يا فلان… يا ابني؟».دخلت الشقة، ولقيت المنظر اللي هد حيل بقية عمري.
البيت كان مقلوب رأساً على عقب، هدومه مرمية على الأرض، الكراكيب في كل مكان، وابني قاعد في صالة الشقة على الأرض في الضلمة، حاطط صورته مع مراته يوم فرحهم قدامه، ومسك أزايز وحاجات مكسورة، وبيعيط بصوت مكتوم ويردد زي المجنون: «أنا اللي ظلمتك.
.. أنا اللي سكت… أنا أستاهل اللي بيحصل فيا».أول ما شافني دخلت، رفع عينه ليا، وكانت عيونه دبلانة ومتنفخة من كتر العياط، وبصلي بنظرة كره وحسرة عمري ما تخيلت إن ابني يبصلي بيها في يوم من الأيام.
وقف على حيله ببطء، وجالي بخطوات متقلة، ووقف قدامي وهو ببيشير على الشقة والمكان وقال بصوت جاف وميت:ـ «رحتيلهم… صح؟ رحتي تكملي عليهم وتخليهم يكرهوني أكتر وأكتر؟».ما قدرت ش أرد، كنت ببكي بس وأهز رأسي بنعم.
ضحك ضحكة مكسورة مليانة وجع وقال:ـ «عارفة يا أمي؟ مراتي بعتتلي النهارده ورقة الطلاق الرسمي عن طريق المحامي… بعتتلي كمان كل الدهب والمؤخر والفلوس اللي كانت حايلاها معايا، ردتلي كل حاجة، كأنها بتقولي مش عايزه منك ولا من ريحتك حتى قشة واحدة.



