حكايات اماني ٢

»… قالها بصوت وطي خالص ومبحوح كأنه طالع من بئر حزن. دخلت وزقيته بشويش ومسكت إيده اللي كانت زي الثلج: «يا ابني حرام عليك نفسك! بتعمل في روحك كدة ليه؟ أرجع معايا الشقة، سيب المكان القفر ده وتدرب معايا فوق، عاقبني أنا لكن ما تمو. تش نفسك بالطريقة دي!
».سحب إيده مني ببطء وشديد وقعد على أريكة مكسورة في الصالة، وحط أيده على دماغه وقال:ـ «أرجع فين؟ أرجع للشقة اللي كل حيطة فيها بتصرخ باسمها؟ أرجع للمكان اللي سكت فيه على ظلمك ليها؟ أنا مش مريض جسديًا يا أمي… أنا مريض ذنب.
أنا كل يوم بليل بغمض عيني بشوفها وهي واقفة بإيدين بترتعش بتعمل السلطة ودموعها نازلة، وبسمع صوت تليفونها وهو بيرن وأنتِ بتاخديه وتستقوي عليها… وبسمع صوت أمها وهي بتقول أبوكي مات وما جيتيش. الذنب ده باكل في صحتي وعقلي كل ثانية، ومش عارف أهرب منه».
بكيت وانحنيت تحت رجله، مسكت جزمته وبستها وأنا بنوح: «حقك عليا يا ابني! أرجوك سامحني، أنا مستعدة أروح لها تاني وثالث ورابع، هفضل قاعدة قدام باب بيتها لحد ما تدوس عليا برجليها أو تسامحنا! بس بلاش تضيع أنت كمان مني!
».بصلي بابتسامة مكسورة وقال:ـ «تروحيلها؟ أنتِ فاكرة إن الوجع ده هيتصلح بزيارة ولا باعتذار؟ أنتِ مش عارفة مراتي… مراتي لما بتحب بتبذل روحها، ولما تتكسر وتقفل، بتمرس الشجر من جذوره. هي مسحتني من حياتها يا أمي، المحامي بعتلي إمبارح إعلان إنها تنازلت عن كل حقوقها الشرعية ونفقتها، وصممت تتم إجراءات الطلاق النهائي بدون أي شروط.
.. هي مش عايزة مننا حتى الذكرى».وفجأة، اتفتحت الباب الموارب وطلعت بنتي الكبيرة اللي كانت جاية ورايا بعد ما التليفون أصلها. دخلت الشقة وشافت منظره ومنظري وأنا تحت رجله، وبكت بحرقة وقالت:ـ «يا فلان يا اخويا قوم معانا، تعال نصلح اللي يقدر يتصلح، أحنا هنروح لأهلها كلنا، أنا وأختك وأمي، وهنجيب كبار المنطقة ونستسمحهم، هي بنت أصول ومش هتهون عليها السنين دي كلها لما تشوفك بالمنظر ده!
».رفع ابني راسه وبص لأخته بنظرة حادة وقال:ـ «بنت أصول؟ توك فاكرة إنها بنت أصول؟ لما كانت بتصحى الصبح بدري تعملك الساندوتشات وتوصل بنتك وتجيبلك الفطار وأنتِ قاعدة حاطة رجل على رجل، ما قلتيش إنها بنت أصول ليه؟




