“جاري خبط على بابي في عز المطر حصري

الجزء الخامس الأسرار العميقة والعدالة التي تُقام ببطء
ذهبت لبيت أهل نيرمين، وهو بيت قديم في منطقة شعبية، والبيت من بره بيوحي بالحزن والصمت. خبطت على الباب، وفتحت لي أم نيرمين، ست عجوز بتبدو متعبة ومكسورة. لما شافتني، وشها اتغير أنتَ أبو طارق؟ تعال تفضل.
دخلت البيت، والصمت كان يملأ المكان. جلست، وقالت لي بلهجة حزينة عرفنا كل حاجة.. نيرمين اتصلت بنا من السجن وبكت وقالت كل الأسرار.. قالتلي إنها
كرهت مريم من صغرها، لأن أبوها كان دايماً يقارن بينهم ويقول إن مريم أحسن منها في كل حاجة.. فكرهتها وحقدت عليها.. لما مريم اتجوزت طارق، حست إنها سرقت منها حياتها اللي كانت تتمناها!
وكل ده سبب كره؟ سألت بدهشة. كان ممكن تتكلم وتعالج نفسها بدل ما تدمر حياة كل الناس!
هي كانت مريضة يا ولدي.. نفسها مريضة من زمان.. ردت أمها بدموع. ما حبناش نعالجها، كنا بنعتبرها غيرة عادية.. وطلعت غيرة قتلت كل حاجة! وفي سر آخر ما قالتوش لحد غيري.. قالتلي إنها كانت السبب في الحادثة بتاعت مريم بشكل مباشر!
قلبي اتوقف إيه؟ إزاي؟!
كانت رايحة وراها في نفس الطريق.. عايزة تمنعها من إنها تروح تقابل المحامي.. وكنت بتقود بسرعة جنونية عشان تسبقها.. وفي اللحظة اللي مريم حاولت تتفادى العربية بتاعتها، انحرفت وخبطت في الحاجز.. نيرمين خافت وهربت.. وما قالتش لحد حاجة.. وسكتت سنتين كاملين!
الكلام ده زلزل كياني.. يعني موت مريم ما كان حادث.. كان جريمة متعمدة! ونيرمين هربت بفعلتها سنتين كاملين! وطارق كان بيحمل ذنب ما هو مسؤول عنه!
ليه ما قالتش ده قبل كده؟ سألت بصوت مخنوق.
كانت خايفة من السجن.. وخايفة من العقاب.. قالتلي إنها عاشت سنتين جحيم كل ليلة تشوف صوت مريم في منامها.. وكل ما شافت جودي، تحس إنها بتشوف شبح مريم قدامها!
خرجت من البيت وأنا مش عارف أمشي فين.. الحقيقة كانت أثقل من أي حمل تحملته في حياتي. لازم أروح للمحامي فوراً وأقوله كل ده.. لازم نعيد فتح ملف الحادثة ونعرف الحقيقة كاملة!
وبالفعل، بعد أسبوع، المحامي قدم طلب إعادة فتح القضية، وبعد البحث والتحري، ظهرت أدلة جديدة.. شهود رأوا العربية بتاعة نيرمين في نفس المكان، وتسجيلات كاميرات المراقبة أثبتت وجودها، وحتى أثر الصدمة في العربية بتاعتها اتأكد في المعمل الجنائي!
نيرمين اتُهمت بالقتل الخطأ بالإضافة لتهم الابتزاز والسرقة والتآمر. وحكم عليها بالسجن المؤبد. وطارق، لما عرف بالحقيقة، انهار بالكامل.. عرف إنه قضى سنتين يكره مريم ويحمل ذنبها، وهي بريئة وطاهرة! وكل ده بسبب كذبة واحدة!
زارني في السجن مرة تانية، وبص لي بعينين خالصتين من الدموع بابا.. طلبت من المحامي بتاعي يطلب إعادة فتح قضية مريم.. واعترفت لكل اللي أعرفه.. عايز الحقيقة تطلع.. عايز كل حد يعرف إنها كانت بريئة.. وإن أنا كنت الغبي الأعمى اللي صدق الكذب!
ربنا يسامحك يا ولدي.. قلت له بكل صدق. المهم إن الحقيقة ظهرت.. والباقي على ربنا!
مرت الأشهر التالية ببطء، وبدأت أعيد بناء حياتي وحياة جودي. نقلتها لمدرسة جديدة، وبدأت أروح معاها كل يوم لقبر أمها، وأحكي لها كل حاجة عن أمها، عن شجاعتها، عن طيبتها، عن حبها ليها.. عشان تكبر وهي عارفة إن أمها كانت نعمة من ربنا!
وذات يوم، جودي قالتلي وهي قاعدة جنبي في الجنينة جدو.. أنا فخورة بأمي أوي.. وأنا عايزة أكون زيها لما أكبر!
مسكت إيدها وقبلتها هتكوني أحسن منها يا روحي.. لأنك شفتي الحياة وتعلمتي منها.. وأمك هتفضل عايشة في قلبك طول ما انتي طيبة!
وبدأت أتقرب من عم شعبان، صار صديقي الوحيد، وكنا نجلس كل مساء نشرب شاي ونحكي قصص. هو اللي وقف جنبي في الشدة، وهو اللي ما تخلّانيش أقع، وهو اللي أثبتلي إن الجيران والأصدقاء الحقيقيين بيكونوا أقرب من الأهل أحياناً!
وفي يوم من الأيام، وبينما كنت أرتب أوراق مريم القديمة، وجدت دفتراً مخبياً تحت ملابسها.. فتحتوه، وقلبي دق بسرعة.. كان مذكراتها اليومية! قرأت فيها كل حاجة حبها لجودي، خوفها من طارق ونيرمين، شكوكها فيهم، وكيف كانت بتخطط تاخد جودي وتسافر بعيد عشان تحميها! وآخر صفحة كانت مكتوبة بخط مهزوز لو حصلي حاجة، بابا هو الوحيد اللي هينقذ جودي.. هو اللي أتمنى تربيها.. وهو اللي أثق فيه بكل قلبي!
دموعي نزلت بغزارة.. كانت عارفة.. كانت عارفة إنني هحميها وهحمي بنتها.. واختارتني أنا من بين الكل! وعدتها من كل قلبي أنا نفذت وصيتك يا بنتي.. وحفظت أمانتك.. وجودي هتكبر في أمان وحب.. وكل اللي عملوا فيكي لقوا جزاءهم.. ارتاحي في سلام يا روحي!

