“جاري خبط على بابي في عز المطر حصري

الجزء السادس السنين تمر والأمانة تُحفظ.. والحق يُعلو ولا يُقهر
مرت السنين، وجودي كبرت قدام عيني، وصارت فتاة جميلة، ذكية، قوية، تحب الحياة وتحب الناس. كانت دايماً تقول لي جدو، أنا شايفة أمي في كل حتة.. في عينيك، في كلامك، في حنانك.. شكراً لإنك حفظتني وحفظت أمانتها!
الشكر لله يا بنتي.. كنت أرد بكل فخر. أنا مجرد حارس للأمانة دي.. والأمانة رجعت لصاحبتها!
درست الحقوق زي أمها، وتخرجت بتقدير امتياز، وبدأت تشتغل محامية تدافع عن المظلومين والضعفاء.. كانت بتقول أمها كانت بتكتب عشان تغير الدنيا، وأنا هحارب عشان أجعلها أعدل!
وذات يوم، جابت لي جريدة قديمة وقالتلي بابتسامة جدو، عايزة أروح معاكي نزور عم شعبان.. ونروح لقبر أمي.. عندي خبر مهم أوي عايزة أقولكم إياه!
ذهبنا معاها، وقفت قدام قبر أمها وقالت بصوت واضح ومليان أمل قررت أفتح مؤسسة خيرية باسم أمي.. هتساعد الأيتام والأرامل والمظلومين.. عشان تبقى ذكراها عايشة طول الزمن!
دموع الفرحة نزلت من عيني.. مريم ما ماتت.. هي عايشة في بنتها، في عملها الصالح، في الخير اللي هتنشره في الدنيا!
وبالنسبة لطارق، قضى سنوات طويلة في السجن، وكل ما كنت أزوره، كنت أشوف إنه يتغير للأحسن.. كان يقرأ كتب كتير، ويتعلم، ويحاول يصحح أخطاءه بالعمل الصالح داخل السجن. وذات يوم، كتب لي رسالة قال فيها يا بابا، لو رجع الزمن لورا، كنت أضحي بكل حاجة عشان ما أجرح حد.. الحياة قصيرة أوي، والكره بيأكل صاحبه قبل ما يأكل غيره.. سامحني لو تقدر.. وسامح مريم لو تقدر.. أنا آسف من كل قلبي!
سامحته.. ليس لأنه يستاهل، بس لأن السماح راحة لقلبي أنا قبل ما يكون له. الحياة ما تستاهلش نعيشها بكره وحقد.. والدنيا دول تمشي، والآخرة خير وأبقى!
عم شعبان عاش معانا لحد ما كمل تسعين سنة، وكان كل يوم بيقول لي يا حاج عبد اللطيف، ما شاء الله عليك.. ربي لك بنت بنتات ما فيش أحسن منها! وكنت أرد عليه الفضل للي خلقها يا صديقي.. وأنت كنت السبب في إننا نكون هنا النهاردة!
وفي يوم من الأيام، وأنا جالس في الجنينة الكبيرة بتاعت البيت الجديد اللي اشتريناه باسم جودي، شفتها وهي بتلعب مع بنتها الصغيرة اللي سمتها مريم على اسم أمها.. كانت الشمس بتغرب وتلون السماء بألوانها الذهبية، والصوت الضحك بتاع البنت الصغيرة ملي المكان، وشعرت بالسكينة والطمأنينة اللي ما حسيتهاش من زمان!
عرفت إن الرحلة كانت صعبة ومؤلمة، بس كانت ضرورية.. عشان أعرف إن الأمانة ثقيلة، والثقة غالية، والخيانة ما بتدمرش غير صاحبها.. وإن الحب والصدق والأمانة هي اللي بتبقى وتبدو مهما طال الزمن!
وتبقى الكلمة الأخيرة
الأمانة أمانة.. إن حملتها حملتك، وإن خنتها خانتك.. والحق لو سكتت عنه يضيع، وإن ناديته يعلو ويقوى.. والظلم مهما طال بيدوم زي الصيف، والعدل بييجي زي الشتاء وإن تأخر.. والابتلاء ما ييجي إلا ليربّيك ويقوّيك.
والصبر على المصيبة بيصنع منك إنسان ما تهزه ريح ولا تزلزله أزمة.. ومن خاف الله خاف كل شيء منه، ومن لم يخف الله خاف كل شيء.. والله مع الصابرين، مع الأمناء، مع من يحفظون العهد ولا ينسون الوصية.. وما أجمل أن تموت وأنت حامل أمانة أديتها، وقلبك نظيف من غل وحقد، وذكرك باقٍ بالخير بين الناس.. تلك هي الحياة، وتلك هي الدنيا، والباقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *