“جاري خبط على بابي في عز المطر حصري

الجزء الثاني الظلام يخيم والخطر يدق الأبواب
عم شعبان مشى ومطر نازل زي السيل، وسابتني واقف قدام الباب وقلبى بيدق بسرعة ما شفتهش في عمري. كلامه كان تقيل زي الحجر، وكل كلمة رنّت في ودني زي الجرس الساعة عشرة.. ما تنورش ولا لمبة.. إياك تعرف طارق ابنك ب أي حاجة!
دخلت وقفلت الباب بالمفتاح والمزلاج، وسندت ظهري عليه وأنا بتنفس بصعوبة. الساعة كانت تسعة ونص.. نص ساعة بس وتيجي اللحظة اللي حذرني منها. بصيت لجودي اللي كانت قاعدة على السجادة بتلعب بدمية أمها القديمة، وشعرها الناعم مربوط بشرطة حمراء.. طفلة بريئة ما تعرفش إن الخطر لفّ البيت كله زي الحزام الناري.
جودي.. قولت بصوت خافت ومهزوز. تعالي يا حبيبتي.. هلمي لعبك بسرعة.. هروح نروح في مشوار صغير.
رفعت لي وشها البريء وعينيها الزرق لمعت في ضوء المصباح الخافت فين يا جدو؟ ومش هننام؟
مش هننام دلوقتي يا روحي.. قربت منها ومسكت إيدها الصغيرة اللي كانت دافية. بس لازم نكون هادئين أوي.. ولا نصوت ولا ننور أي لمبة.. اتفقنا؟
هزّت راسها ببراءة اتفقنا يا جدو.. بس ليه؟
عشان لعبة الغميضة.. ضحكت بوجع. هنلعب الغميضة مع حد.. ولو شافنا أو سمعنا، هنخسر!
لميت أغراضها بسرعة ملابس، الدمية اللي ما بتفارقها، صورة أمها، والدفتر الصغير اللي كنت مدوّن فيه كل مصروف ودخل الفلوس بتاع جودي.. ده كان أهم حاجة عندي، الدليل اللي يثبت إن كل قرش في مكانه وما أخذت لنفسي ولا قرش واحد.
بصيت للساعة.. تسعة وخمسون دقيقة. قلبي اتقبض. سمعت صوت موتور سيارة بعيد، بيتقرب ببطء.. ووقف قدام البيت بالظبط.
جودي.. همست. تعالي ورايا.. امشي على رجلكِ خفيف.. ولا تخبطي بحجر ولا تقلبي حاجة.
خدتها ودخلنا غرفة النوم بتاعتي، وفتحت باب الخزانة القديمة الكبيرة اللي اتعملت في الحيطة نفسها من زمن ما قبل ما أبنى البيت.. مكان ضيق بس بياخدنا الاتنين.
ادخلي يا حبيبتي.. اجلسي هنا وسكتي.. مهما سمعتي صوت، مهما حصل، ما تطلعيش ولا تصوتي لحد ما أقولكِ. اتفقنا؟
اتفقنا يا جدو.. بس متتسبنيش لوحدي! مسكت إيدي بكل قوتها الصغيرة.
أنا جنبكِ.. قربت منها ومسكت كتفها. بس لازم أروح أشوف مين اللي جاي.. اتصبري شوية بس.
قفلت باب الخزانة عليها ببطء، وسبيت شق صغير تقدر تشوف منو الضوء لو حد فتح الباب. بعدين مشيت على أطراف صوابعي لشباك الغرفة اللي بيطل على الشارع الخلفي، واختبأت ورا الستارة الثقيلة.
الدقائق كانت بتمشي ببطء زي الساعات.. وفجأة، الساعة بالظبط عشرة، سمعت صوت المفتاح في قفل الباب الأمامي!
قلبي وقع في رجليّ..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *