“جاري خبط على بابي في عز المطر حصري

إنه في اللحظة دي خسر كل ما يملك في الدنيا!
بعد ما خروا، ركضت للخزانة وفتحت الباب بسرعة. جودي كانت قاعدة مكانها، عيناها مليانة دموع بس ما كانتش بتعيط بصوت. مديت إيدي ومسكتها خلاص يا حبيبتي.. كل حاجة خلصت.. الجدو هنا وما حدش هيقرب منك تاني!
قفزت لحضني وعانقتني بقوة كنت خايفة يا جدو.. بس كنت عارفة إن هتجيلي!
حملتها وحضنتها بكل ما أملك من قوة، وبكيت.. بكيت من الفرحة والخوف والصدمة كلها مع بعض. عم شعبان دخل الغرفة ببطء ووقف عند الباب الحمد لله على السلامة يا حاج.. كنت قلقان أوي!
شكراً يا شعبان.. شكراً لإنك كنت صديقي الوفي.. قلت وأنا بمسح دموعي. لو ما كنتش أنت، ما أعرفش كان إيه اللي حصل لنا!
دي واجبي يا راجل.. رد بابتسامة حزينة. الجيران للجيران في الشدة.. والخير ما بيبقاش غير مع الطيبين!
جلست على السرير وجودي في حضني، والبيت اللي كان مليان خطر صار هادي ومطمئن.. بس الهدوء ده ما كانش كامل، لأن عرفت إن القصة لسه ما خلصت.. والسر اللي بدأ يتكشف كان أخطر وأعمق بكثير مما توقعت!
الجزء الرابع الحقيقة الكبرى.. الماضي يعود بملف أسود
بعد يومين، كنت جالس في البيت مع المحامي بتاعي، اللي جاي عشان يرتب الأمور ويضمن إن جودي تفضل في عهدتي وما حدش يقدر يقرب منها. كنت مستريح شوية، بس حاجة جوايا كانت بتقول إن في حاجة غريبة ما اتوضحتش لحد دلوقتي. ليه طارق قال إن أنا سبب موت مريم؟ وليه كانوا مصممين إنني خرفت؟ وإيه السر اللي خلى نيرمين تكره مريم للدرجة دي؟
المحامي بصلي بجدية وقال يا حاج عبد اللطيف، أنا قريت الوصية والأوراق كويس، وفي حاجة غريبة أوي لفتت نظري.. الفلوس اللي في حساب جودي، 30 مليون جنيه، مش كلها من ميراث أمها.. نصها تقريباً جاء من مصدر مجهول قبل وفاة مريم ب 3 أشهر بس!
مصدر إيه؟ سألت بدهشة. ما كانتش قالتلي حاجة عن ده!
مكتوب في الحساب تحويل من حساب شخصي بس الاسم محذوف.. رد المحامي. وحاولت أعرف مين اللي حوللها، البنك قال إن التحويل تم بسرّية تامة وما ينفعش نعرف إلا بأمر قضائي!
فكرت شويه.. مريم كانت كاتبة في الجريدة، راتبها كويس بس مش للدرجة اللي تجمع نص المبلغ ده في فترة قصيرة! وإيه السبب اللي خلاها تروح في يوم مطرة شديدة وتسافر للإسكندرية فجأة؟ كل ده كان غامض وما اتوضحش لحد النهاردة!
في نفس اليوم، قررت أروح لزيارة طارق في السجن.. مش عشان أسامحه، بس عشان أعرف الحقيقة كاملة. دخلت عليه الغرفة، ولقيته قاعد في الزاوية، شكله اتغير كتير، ملابسه بسيطة، وشحوب وجهه بيقول إنه ما بينامش من يوم ما اتقبض عليه.
رفع راسه لما شافني، ونظراته اتملت بالذنب جيت تعتذر مني ولا تزورني؟
جيت أسألك عن الحقيقة.. قلت بجدية. ليه قلت إن أنا سبب موت مريم؟ وإيه اللي خلاكم تكرهوها للدرجة دي؟ ومين اللي حوللها الفلوس دي؟
سكت طويلاً، وبعدين تنهد بعمق وبدأ يروي بصوت خافت ومتقطع كأنه بيخرج كل كلمة مع ألم الحكاية بدأت من زمان يا بابا.. من قبل ما مريم تتوفى بسنتين.. كنت في ورطة كبيرة في الشغل، خسرت فلوس كتير، وكنت هتسجن لو ما سددت الديون.. جيتلك أساعدك، قلتلي مفيش فلوس.. فكرت أروح ل مريم، قلتلك تيجي تساعدني، رفضت وقالتلي إن الفلوس دي لجودي ومش هتضيعها في مشروع فاشل!
دي حقها تحافظ على فلوس بنتها! رديت بغضب. وكنت لازم تفهم ده!
عرفت بعد فوات الأوان.. قال بمرارة. بس ساعتها كنت مجنون بالغضب والخوف.. نيرمين قالتلي إن مريم عندها علاقة براجل غني، وإنه هو اللي بيدفع لها الفلوس دي.. وإنها كانت بتخون شرف العيلة!
كدابة! صرخت. مريم كانت بنت شريفة!
عرفت إنها كدابة متأخر أوي يا بابا.. دمعة نزلت على خده. نيرمين كانت كرهة مريم من الصغر، لأن مريم كانت دايماً الأفضل والأحب للكل.. فقررت تدمرها! قالتلي إنها راتبها راجل أعمال كبير، وإن الفلوس دي منه.. وإنها كانت رايحة تقابله في الإسكندرية في يوم المطر ده! وأنا صدقت الكدبة دي.. واتصلت بيها وسببت لها مشاكل في الطريق.. وقلتلها كل كلمة قاسية ممكن أقولها.. وقلتلها إنها خاينة وشرفنا اتدنس بسببها!
قلبي اتعصر.. يعني أنا ما كنتش السبب.. هو اللي اتصل بيها وهو اللي سبب لها الحالة دي! وكل ده كان بسبب كدبة نيرمين حكتها له!
والحقيقة؟ سألت بصوت مهزوز. مين كان الراجل الحقيقي اللي حوللها الفلوس؟
المحامي بتاعها.. قال طارق بضعف. عرفت بعد ما ماتت إن الراجل ده كان صديق لجدها، ووصّاها على مبلغ كبير من ورث قديم.. والتحويل ده كان جزء من الورث ده.. نيرمين عرفت بالموضوع بس ما قالتليش الحقيقة.. استغلت جهلي وكرهي لمريم عشان تخليني أكرهها وتساعدها في خطتها!
يعني أنتَ خدعتك وخليتك أداة في إيدها؟! صرخت بكل ألم. وأنتَ ما حاولتش تتأكد ولا تسأل ولا تعرف الحقيقة؟!
كنت أعمى يا بابا.. أعمى بالغضب والغيرة.. رد ببكاء. ولما مريم ماتت في الحادثة، نيرمين قالتلي إنها انتحرت بسبب كلامي.. وإن أنا السبب في موتها! وعشت سنتين كاملين بكل ذنبها على كتفي.. ولما عرفت الحقيقة متأخر، حاولت أعوض غلطتي بالفلوس.. بس هي قالتلي إن الحل الوحيد إننا ناخد كل حاجة لجودي ونربيها زي ما ينبغي.. وصدقتها تاني! وطلعت كل ده كذب في كذب!
سكتت طويلاً.. القصة كانت أكبر وأعمق مما تخيلت.. مريم كانت ضحية كره وحقد، وطارق كان ضحية جهل وغضب، وجودي كانت الضحية اللي هتتأثر طول حياتها بكل ده!
وأنتَ دلوقتي.. قلت بهدوء. تندم بجد؟
كل دقيقة بعيشها هنا أتمنى إنني أموت بدل ما شوف وش مريم وهي بتعيط في التليفون.. رد بصوت ميت. لو أقدر أرجع الزمن لورا كنت أضحي بكل حاجة عشان ما أقولها كلمة واحدة تجرحها.. بس الندم ما بيرجعش ميت يا بابا.. والذنب ده هعيش معاه لآخر يوم في عمري!
خرجت من السجن وراسي بتدور بكل الكلام اللي سمعته.. الحقيقة كانت مؤلمة جداً، بس كانت ضرورية عشان أبدأ رحلة التعافي أنا كمان. لازم أتأكد من كل حاجة، لازم أعرف الحقيقة كاملة، ولازم أضمن إن جودي تعرف إن أمها كانت شريفة وطاهرة وما عملتش حاجة تغضب ربنا!
قررت أروح لبيت نيرمين أهلها، لأنني كنت متأكد إن في أسرار تانية مخبية هناك.. وما كنتش عارف إن الرحلة دي هتفتح لي أبواب ما كنتش أتخيل وجودها أبداً!
