حكايات اسما 3

كنت أقف خلف الكواليس، أرتدي فستاناً أزرق ملكياً مرصعاً بهدوء، وأضع لمساتي الأخيرة. أسترجع شريط سبع سنوات من عمري… سبع سنوات عشتها أضحي وأعطي، وفي النهاية لم أجد كرسياً أحلس عليه على سفرة من أكلوا من خيري.

فجأة، دخل عليّ أستاذ عادل المحامي وهو يبتسم ابتسامة دافئة وقال:

— “نوران… كل حاجة جاهزة، والجمهور مستني كلمة رئيسة مجلس الإدارة.”

ثم أضاف بصوت خافت:

— “على فكرة… حماتك القديمة وباقي أفراد العيلة واقفين برة القاعة عند مدخل الفندق. حاولوا يدخلوا عشان يرجوكي تتنازلي عن بقية الغرامات المالية اللي هتحبس باقي قرايبهم، بس أمن الفندق منعهم لأنهم ما يملكونش دعوات رسمية.”

نظرت في المرآة، ابتسمت بوقار وقلت له:

— “خليهم برة يا عادل… اللي ما عرفش قيمتي وأنا بقدملهم الأكل بكرامتي، مالوش مكان في القاعة وأنا بتبوّأ عرشي.”

خرجت إلى المسرح وسط عاصفة من التصفيق الحار والتقاط صور الكاميرات. تقدمت نحو المنصة بثبات، وقفت أمام الميكروفون بملامح يملؤها الكبرياء والهدوء، ونظرت لكل الحضور.

بدأت كلمتي بصوت واضح وصل لكل حجر في القاعة ولكل من يتابع خلف الشاشات:

— “مساء الخير على حضراتكم جميعاً…

من سنين طويلة، بدأت رحلتي بحلتين استلفتهم وعربية مستعملة. كنت بشتغل 18 ساعة في اليوم، وكنت بفتكر إن النجاح هو إنك تصنع أكل حلو وتسعد اللي حواليك.

لكن الحياة علمتني درس أعمق بكثير… علمتني إن القيمة مش بس في اللي بتقدمه، القيمة في كرامتك اللي ما تسمحش لأي حد يمسها.”

ساد الصمت التام في القاعة، وأكملت:

— “في يوم من الأيام، فيه ناس قرايب وقفت أطبخ لهم عزومة كبيرة، أكلوا وشبعوا من خيري، وفي الآخر قالوا لي قدام الكل: ‘اللي بتطبخ مكانها المطبخ’… وحرموني حتى من كرسي أقعد عليه على سفرتهم.

النهاردة، أنا مش واقفة عشان أنتقم، ولا عشان أثبت ليهم حاجة… أنا واقفة هنا عشان أقول لكل ست وكل إنسان بيعرق ويتعب من الصفر:

مكانك مش هو المكان اللي الناس بتحدده لك… مكانك هو المكان اللي إنت بتبنيه بعرقك وشرفك وقوتك.”

ثم اتجهت بنظري نحو الشاشة الضخمة خلفي، وتداعت عليها صور الفرع الجديد، والعقود المليارية، وأسماء المئات من الموظفين والشيفات العاملين في شركتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *