حكايات اسما 3

كنت أرتدي مريلة الطبخ الفاخرة المطبوع عليها اسمي، وأشرف بنفسي على لمسات النهاية لقائمة الطعام الخاصة بقمة اقتصادية دولية تستضيفها الدولة.

في هذه اللحظات، دخلت عليّ سكرتيرتي الخاصة وقالت باحترام:

— “مدام نوران… فيه زيارة لحضرتك برة في مكتب الاستقبال.”

سألتها: “مين؟”

— “واحدة ست كبيرة… بتقول إنها حماتك القديمة، وواقفة بتعيط برة وطالبة تقابلك دقيقة واحدة بس.”

سكت لثوانٍ… رجعت بي الذاكرة ليوم العزومة العائلية، لما دخلت عليا المطبخ بعبايتها الغالية وقالت لي بنبرة تقليل: “الأكل شكله بيتي أوي… إحنا زمان كنا بنجيب شيف مخصوص… بس كل بيت وله إمكانياته”.

ابتسمت ابتسامة هادئة مليانة كبرياء، وهززت رأسي وقلت للسكرتيرة:

— “قولي لها إن مدام نوران في المطبخ… واللي بتطبخ مش فاضية تقابل حد، شغلها ومكانها أهم من أي كلام.”

السكرتيرة ابتسمت وقالت: “حاضر يا فندم.”

رجعت أركز في أطباقي وفي شغلي. أدركت إن المكان ده—المطبخ—ماكانش سجن ولا تقليل زي ما هما افتكروا… ده كان المصنع اللي خرجت منه قوتي، والسلاح اللي أعدت بيه كتابة قصتي، والعرش اللي جلست عليه بكرامتي وعرقي.

لكن القصة كانت ما زالت تحمل الفصل الأخير والمواجهة الأخيرة التي ستجمعني بأحمد خلف القضبان… مفاجأة ختامية سترسخ معاني العدالة والانتصار النهائي.

مرّت ستة أشهر كاملة…

ستة أشهر انقلبت فيها موازين الحياة بالكامل. كانت إمبراطوريتي التجارية قد توسعت لتغطي أكبر الفنادق والمنتجعات السياحية في مصر، وبدأت مشاورات جادة لافتتاح أول فرع لشركتي في الخليج. أصبح اسمي يتردد في مجلات المال والأعمال، لا بصفتي “البنت اللي بتعرف تطبخ”، بل بصفتي واحدة منجحة ومؤثرة من رائدات الأعمال في المنطقة.

في صباح يوم من أيام الشتاء الباردة، استلمت خطباً رسمياً من إدارة السجون موحّهاً لي عن طريق المحامي، يفيد بأن المسجون “أحمد” قد تقدم بعدة طلبات ورجاءات رسمية لإدارة السجن يلتمس فيها مقابلتي لمرة واحدة وأخيرة قبل نقل قضية التزوير الكبرى إلى جولة الأحكام النهائية.

ترددت في بداية الأمر. لم أكن بحاجة لرؤيته، ولم تكن في قلبي أي ذرة مشاعر تجاهه، لا كره ولا حب… بل مجرد استغناء تام. ولكن أستاذ عادل قال لي: “روحي يا نوران… المواجهة دي مش عشانه، دي عشان تقفلي الصفحة دي تماماً وما يفضلش في حياتك أي سؤال مفتوح.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *