حكايات اسما 3

ابتسمت ابتسامة هادئة ورزينة، ونظرت له في عينيه مباشرة بثبات ووقار، وقلت له بصوت خافت لكنه زلزل أركان الغرفة:

— “أنا مش بكرهك يا أحمد… الكره ده محتاج مشاعر، وأنت بالنسبة لي بقيت مجرد صدمة وعدت من حياتي. يوم ما قلت لي ‘اللي بتطبخ مكانها المطبخ’، إنت افتكرت إنك بتهينني… بس الحقيقة إنك إديتني القلم اللي صحاني من غفلتي. أنت ورّيتني إن المكان اللي كنت فاكراه بيتي وسندي، كان مجرد ناس عايشة على خيري وبتقلل مني.”

وقفت من على الكرسي، ولبست قفازاتي الجلدية بكل أناقة، وتابعت:

— “أنا المطبخ بالنسبة لي ماكانش إهانة… المطبخ ده كان المكان اللي بدأت فيه بحلتين مستلفتين وعربية مكسورة، وهو المكان اللي عملت منه إمبراطورية بتهز السوق دلوقتي. أنا أخذت حقي بالقانون وبالشرف، وما بقيتش محتاجة أبص ورايا تاني.”

أحمد بصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال:

— “مش هشوفك تاني يا نوران؟”

عدلت معطفي وقلت له وأنا أتجه نحو الباب:

— “لأ يا أحمد… القصة خلصت خلاص. إنت اخترت مكانك خلف القضبان… وأنا اخترت مكاني على رأس السفرة وفي قمة نجاحي.”

طرقت على الباب الحديدي، ففتحه الحارس فوراً. خرجت من الغرفة بخطوات واثقة ومرفوعة الرأس، وسمعت خلفي صوت أحمد وهو يبكي بصوت عالٍ ويصيح باسمي، لكن الباب الثقيل أُغلق بيننا للأبد.

خرجت من مبنى السجن، واستقبلني الهواء البارد والشمس المشرقة. كانت سيارتي الفارهة تنتظرني عند البوابة، والسائق يفتح لي الباب بكل احترام.

وقبل أن أركب، رن هاتفي… كان الاتصال من المستشار فاروق التلمساني ومساعديه للترتيب لحفل الافتتاح الضخم للكيان العالمي الجديد، والحفل الذي سيحضره كبار الشخصيات والوزراء.

نظرت إلى السماء، وتنفست بعمق…

فقد انتهت مرحلة رد الاعتقال والانتقام، وبدأت رسمياً المرحلة الأخيرة والأخيرة من حياتي… مرحلة التتويج المطلق والمواجهة النهائية التي ستجمع العائلة كلها في المشهد الأخير.

جاء مساء الحفل الختامي لتتويج إمبراطورية “التلمساني ونوران للخدمات الفندقية والأغذية”.

القاعة الكبرى بأحد أفخم فنادق القاهرة كانت تتلألأ بالأضواء، وتكتظ بكبار رجال الأعمال، الوزراء، السُفراء، وشخصيات المجتمع المرموقة. كانت الصحافة والإعلام ينقلون الحدث على الهواء مباشرة، يتحدثون عن “قصة الملهمة نوران”؛ المرأة التي بدأت بحلتين مستلفتين لتصبح اليوم رئيسة واحدة من أكبر الشراكات الاستثمارية في الشرق الأوسط.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *