حكايات اسما 3

وافقت.
في اليوم المحدد، دخلت مبنى السجن المخصص للزيارات الرسمية. كنت أرتدي معطفاً أنيقاً باللون الأسود، وأحمل بيدي حقيبتي الجلدية الفاخرة. استقبلني رئيس المباحث بكل احترام وأدخلني إلى غرفة زيارات خاصة ومغلقة.
جلست على أحد جانبي الطاولة الفاصلة، وبعد دقائق معدودة… فُتح الباب الحديدي.
دخل أحمد.
صدمتني رؤيته لأول وهلة. لم يبقَ من أحمد القديم شيء. كان يرتدي البدلة الزرقاء الخاصة بالمسجونين، وزنه ينقص للنصف، شعره ابيضّ بشكل ملحوظ عند الجانبين، وعلى وجهه انكسار وشحوب وذبلان لا يمكن وصفه. كانت يديه ترتجفان وهو يجلس أمامي على الكرسي المقابل.
نظر إليّ بذهول، وظل يمسح عينيه بكفيه كأنه لا يصدق أنني أقف أمامه بكل هذا الشموخ والجمال والنجاح.
ساد الصمت الغرفة لثوانٍ ثقيلة، حتى قطعتُ أنا هذا الصمت ببرود:
— “طلبت تقابلني ليه يا أحمد؟”
انفجر أحمد بالبكاء. كانت دموعه حارّة وصادقة هذه المرة، دموع رجل حسّ بالضياع والندم بعد فوات الأوقات.
قال بصوت مبحوح ومتقطع وهو ينظر للأرض:
— “نوران… أنا مش طالب منك تسامحيني، لأني عارف إني ما أستاهلش المسامحة. أنا طلبات مقابلتك بس عشان أقولك كلمتين كان لازم أقولهم من زمان…”
رفع عينيه الممتلئتين بالدموع إليّ وتابع:
— “أنا كل يوم بالليل وأنا قاعد على السرير الحديد في الزنزانة الضيقة دي، بفتكر الليلة دي… ليلة العزومة. بفتكر لما وقفتِ في المطبخ من الساعة خمسة الصبح بتطبخي لعيلتي، وبفتكر لما بصيتِ لي مستنية مني كرسي أو كلمة تدافع عنك… وأنا بمنتهى الحقارة والغرور قلت قدامهم ‘اللي بتطبخ مكانها المطبخ’.”
حط إيده على وشه وصرخ بكسرة:
— “الجملة دي هي اللي بتنزل عليا كل ليلة زي السكين! أنا اكتشفت إن أنا اللي ماكانش ليا مكان… لا على السفرة ولا في حياتك ولا في الدنيا. أنا خبت وعيلتي اتدمرت، وبويا بقاله شهور مريض وما يملكش قيمة العلاج، وأمي بقت بتلف على البيوت تطلب مساعدة قرايبها بعد ما كل الشقق والفلوس اتمسكت في القضايا…”
نظرت إليه بثبات ولم أتكلم.
كمل أحمد كلامه وهو بينحني بجسمه على الطاولة:
— “شهد والمحامي اعترفوا بكل حاجة في التحقيقات الجديدة… عرفت إنهم كانوا يستغلوني وبيخدعوني عشان يسرقوكي ويستولوا على اسمك، وعرفت إنك إنتِ الوحيدة اللي كنتِ صاينااني وبتحبيني بجد. أنا ضيعت الجوهرة اللي كانت في إيدي عشان شوية تراب… أنا مستعد ألبس الأزرق ده بقية عمري، بس قولي لي إنك مش بتكرهيني… قولي لي إنك أخذتِ حقك.”

