ابن اخويا كان بيرفض روماني مكرم ٢
المحقق أخد التقرير من العسكري، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، والهدوء اللي في الأوضة بقى يخنق. فادية كانت بتتنفس بصعوبة، وصوت ضربات قلبها كأنه مسموع.
رفع المحقق عينه وبص لفادية وقال بنبرة هادية بس تخوف:
— التقرير الطبي القديم لإعادة فحص ج*ثة المرحوم أخو الأستاذ، اللي المحامي بتاع يوسف قدم طلب لإعادة مراجعته بناءً على المكالمة المسجلة.. بيقول إن الوفاة مكانتش سكتة قلبية طبيعية يا فادية. كان فيه نسبة عالية جدًا من دواء سيولة الدم، جرعة قاتلة اتسببت في نزيف داخلي حاد.
الدنيا لفت بيا. أخويا ماماتش طبيعي؟ أخويا اتق*تل؟!
وقفت من مكاني وأنا مش حاسس برجلي، صرخت فيها:
— انتي عملتي إيه في أخويا؟! انتي موّتيه؟!
فادية رجعت لورا وهي بتهز راسها برعب وتصرخ:
— لأ.. لأ والله ما لمسته! هو اللي كان تعبان.. أنا ماليش دعوة!
المحقق ضرب المكتب بإيده وقال بصوت جهوري:
— اقعد يا أستاذ! وبعدين التفت لفادية وكمل:
— أخو جوزك كان داخل المستشفى بحالة طارئة، وممنوع ياخد النوع ده من الأدوية.. والتقرير بيقول إن المحلول اللي كان بيتعلق له اتغير يدويًا. وبما إنك كنتي الزائرة الوحيدة ليه في الساعة دي قبل ما يمنعوا الزيارة، فالشبهة الجنائية بقت واضحة.
يوسف كان واقف، دموعه نزلت لأول مرة، بس ملامحه كانت جامدة زي الصخر. بص لفادية وقال بصوت واطي ومرعب:
— كنتي فاكرة إني لما كبرت وبدأت أدور ورا حسابات بابا، هكتفي بالفلوس؟ أنا من 3 سنين لما سمعت المكالمة وعرفت إنك كنتي بتهدديه، رحت للمحامي، وطلبنا إعادة فتح ملف الوفاة وسحب التقارير الطبية المحفوظة.. انتي مش بس سرقتيني وعيشتيني 10 سنين ذليل في بيتك، انتي حرمتيني من أبويا.
فادية لما لقت الحبل بيتقفل حوالين رقبتها، وبأن تهمة السرقة بقت تهمة ق*تل عمد، بدأت تنهار تمامًا. بصت للمحقق وقالت وهي بتعيط بهستيريا:
— مش أنا لوحدي! والله العظيم ما أنا لوحدي! أخويا مدحت هو السبب.. هو اللي جابلي الدوا وهو اللي قالي نخلص منه قبل ما يبلغ جوزي باللي عرفه!
المحقق سألها بسرعة:
— واللي عرفه ده إيه؟ إيه الكارثة اللي كان مهددك بيها؟
فادية بلعت ريقها وبصتلي بنظرة مكسورة، وقالت بصوت ميرعش:
— من 12 سنة.. قبل ما أخوك يتعب.. مدحت أخويا وقع في ضائقة مالية كبيرة وكان عليه شيكات وهيتسجن.. أنا سرقت دهب أمك الله يرحمها اللي كنت انت شايله معاك في البيت أمانة، واديته لمدحت عشان يبيعه.. أخوك شافني بالصدفة وأنا خارجة من شقتك والدهب معايا، وعرف.. وهددني إنه هيقولك لو م رجعتش الفلوس.. ولما تعب ودخل المستشفى، خفنا يقولك وهو بيموت، فمدحت قالي لازم نخلص منه ونبصم شيكات حسابه بالمرة قبل ما حد يعرف..
أنا مكنتش قادر أستوعب. مراتي.. شريكة عمري.. وأم عيالي.. سرقتني، وق*تلت أخويا، وسرقت ابنه اليتيم، وعيشتني 10 سنين باكل وبأكل عيالي وبصيف من دم طفل يتيم وهي مأهماني إنها فلوسنا!
المحقق التفت للعسكري وقال بلهجة حاسمة:
— أمر بضبط وإحضار المدعو “مدحت”.. وتجديد حبس المتهمة فادية 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والاستيلاء على أموال قاصر بالتزوير.
العسكري مسك فادية وهي بتصرخ وتناديني:
— سامحني يا جوزي.. أنا عملت كل ده عشان أأمن مستقبل عيالنا! متسيبنيش يا أبو عيالي!
خرجت من الأوضة وأنا مش شايف قدامي.. الدموع كانت مغطية عيني، والندم بياكل في قلبي. خرجت ورايا يوسف. وقفت في الممر وبصتله، كنت مكسوف أبص في عينه.
قلتله وصوتي بيقطع:
— يوسف.. أنا.. أنا أسف يا ابني.. أنا ضيعت حقك وحق أبوك..
يوسف قرب مني، وحط إيده على كتفي، وبصلي بنظرة مفيهاش أي غل ناحيتي، وقال:
— أنا عارف إنك مكنتش تعرف يا عمو.. عشان كده أنا مابلغتش عنك.. بس أنا لازم أخد حق أبويا وحقي.. الفلوس مش مهمة، المهم إن اللي حرق قلبي وقلب أبويا يدفع الثمن.
قبل ما أرد عليه، تليفوني رن.. كان رقم غريب.. فتحت الخط وأنا مش مركز، لقيت صوت أخو مراتي، مدحت، بيتكلم بأنفاس متلاحقة وصوت واطي مليان تهديد:
— اسمعني كويس يا جوز أختي.. أختي غبية واعترفت بكل حاجة.. بس لو فاكر إنك هتطلع منها نظيف تبقى غلطان.. أنا معايا ورق يوديك في داهية انت كمان، ولو الحكومة وصلتلي، هسحبك معايا للقبر!
المحامي فتح المايك بسرعة، وصوت وكيل النيابة كان طالع منه مشوش بس حاسم:
— “مدحت انهار تمامًا في التحقيق بعد ما واجهناه بالمذكرات وبمكالمة المرحوم.. واعترف إن فادية مكانتش بتتحرك من دماغها، واعترفت هي كمان لما عرفت إنه جاب رجلها معاه.. السر الحقيقي ورا المكالمات الـ 17 مكانش بس عشان الفلوس يا أستاذ.”
أنا كنت واقف مشلول، ببص للورقة اللي وقعت على الأرض وببص ليوسف. المحامي سأل وكيل النيابة:
— “إيه هو الاعتراف يا فندم؟”
رد وكيل النيابة:
— “أخو الأستاذ، المرحوم، اكتشف قبل وفاته بيومين إن فادية ومدحت كانوا مجهزين ورق تنازل مزور بيبصموه عليه وهو غايب عن الوعي في المستشفى، ورق بيخليهم الواصيين الشرعيين على يوسف بدال عمه! أخوك مكانش بيتصل بيك عشان يحذرك من السرقة بس.. كان بيتصل عشان يقولك إن فادية حاطتلك أنت كمان سم بطيء في أكلك بقالها شهور عشان تموت ورا أخوك، وتنفرد هي وأخوها بالوصاية على يوسف وعلى عيالك أنت كمان، وتاخد الميراث والشركات وكل حاجة!”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت ليوسف وأنا بفتكر كل مرة كنت بتعب فيها فجأة، وكل مرة كان بيجيلي مغص حاد والدكاترة يقولوا إجهاد في الشغل.. فادية كانت بتق*تلني بالبطيء! كانت عايزة تخلص مني ومن أخويا في نفس الوقت عشان تملك كل حاجة!
يوسف قرب مني بسرعة وسندني قبل ما أقع على الأرض، والدموع مالية عينيه:
— “أنا لما قريت المذكرات دي الصبح مكنتش مصدق يا عمو.. فادية كانت كاتبة بالتفاصيل عن الجرعات اللي بتديهالك، وعن خطتها إنها تخليك تبان وفاتك طبيعية زي بابا.. بابا لما عرف، اتصل بيك 17 مرة عشان يلحقك أنت.. مكانش خايف على الفلوس، كان خايف عليك!”
قعدت على الكرسي وأنا حاسس إن روحي بتتسحب مني. الشخص اللي نمت جنبه 10 سنين، اللي أكلت من إيدها، اللي وثقت فيها على عيالي واسمي.. كانت بتديني الموت في كباية الشاي كل يوم الصبح وهي بتبتسم في وشي وتقولي “ربنا يخليك لينا يا أبو العيالي”.
المحامي قفل التليفون وبصلي بأسف وقرأ من المستندات اللي معاه:
— “النيابة عيرت القض*ية رسميًا من ق*تل عمد للاستيلاء على أموال قاصر، إلى جناية ق*تل عمد مع سبق الإصرار للمرحوم، ومحاولة ق*تل عمد مسموم للزوج.. القض*ية بقت ق*ضية إع/دام يا أستاذ، وحبل المشنقة بقى على رقبة فادية ومدحت خلاص.”
التفتت ليوسف، الولد الصغير اللي كنت فاكر إني بربيه وبحميه، وطلعت أنا اللي محتاج حمايته. يوسف مسك إيدي وقالي بصوت واطي:
— “عمو.. أنا بكره هحضر الجلسة الأولى للتحقيق النهائي وإحالة الق*ضية للمفتي.. المحامي قالي إن وجودك ضروري عشان تقفل المحضر بصفتك المجني عليه التاني.. هتقدر تيجي معايا؟”
بصيت في عين يوسف، وشفت فيها طيف أخويا الله يرحمه.. شفت الـ 17 مكالمة اللي ضاعوا في الهوا من 10 سنين ولساهم بيرنوا في ودني لحد النهاردة. وقفت على رجلي وضغطت على إيده وقلتله:
— “هاجي يا يوسف.. هاجي عشان أخد حق أبوك.. وحقي من الست اللي دمرت عمرنا كله.”
تاني يوم الصبح، كانت قاعة المحكمة زحمة ومقلوبة.. دخلت أنا ويوسف، وقعدنا في الصف الأول.. وفجأة الباب الحديدي اتفتح، وظهرت فادية ومدحت في الكلبشات.. وفادية أول ما عينيها جت في عيني، صرخت بصوت هز القاعة كلها وقالت كلام خلى المستشار رئيس الجلسة يرفع الجلسة فورًا..
صرخت فادية وهي بتبصلي بعيون جاحظة ودموعها مغرقة وشها الأصفر:
— “والله العظيم أنا ما كنت عايزة أموتك! مدحت هو اللي أجبرني.. قالي لو جوزك عاش هيعرف إننا زورنا وبصمنا أخوه، وهيودينا المشنقة! اسألوا يوسف.. يوسف عارف كل حاجة، يوسف هو اللي كان بياخد مني الأكياس ويحطها في الأكل!”
القاعة كلها اتقلبت، همهمات وصراخ من الحاضرين، والمستشار ضرب بالمطرقة وهو بيزعق:
— “هدوء في القاعة! ترفع الجلسة للمداولة فوراً!”
التفتت ليوسف وأنا برتعش، الصدمة لجمت لساني.. بصيت في عينه مستني ينكر، مستني يقول إنها بتتبلى عليه عشان تنقذ رقبتها. يوسف ملامحه متهزتش، فضلت باردة وثابتة زي الصخر، بس ابتسامته الوجيعة ظهرت تاني على وشه.
سند ظهره على الكرسي وبصلي وقال بصوت واطي وهادي لدرجة رعبتني:
— “مكانتش أكياس سم يا عمو.. كانت أكياس فوار للمعدة.”
بلعت ريقي بصعوبة وقلتله وصوتي بيرتعش:
— “يعني إيه يا يوسف؟ هي بتقول إيه؟”
يوسف قرب مني وهمس:
— “من 3 سنين، لما المحامي قالي على مكالمة بابا الله يرحمه وبدأت أدور، كشفت خطتها.. عرفت إنها بتديك سم بطيء يظهر كأنه قرحة أو نزيف في المعدة. فادية مكانتش بتسيبني في البيت لوحدي عشان بتكرهني بس، كانت بتسيبني عشان أخدمك لما تتعب في فترة سفرهم.. وفي المطبخ، لقيت علبة السم المخفية. أخدتها، وبقيت أبدل البودرة اللي فيها بفوار معدة مطحون.. عشان كده عمرك ما مت يا عمو، وعشان كده كل ما كنت بتتعب وترجع، كنت بتخف بعدها بساعات.”
دموعي نزلت مغرقة وشي.. يعني يوسف كان بيحميني طول السنين دي؟ كان بيمثل إنه ميعرفش عشان يحافظ على حياتي وحياته لحد ما السن القانوني يسمحله يهد المعبد على دماغهم؟
يوسف كمل وعينيه لمعت بنظرة انتصار:
— “أنا سبتها تعيش في الوهم إنها بتق*تلك بالبطيء عشان تفضل مطمنة وتكتب كل خطة في مذكراتها بغباء.. كنت مستني اللحظة اللي تقع فيها وهي شايلة ذنب بابا، وذنب محاولة ق*تلك، وذنب سرقتي.. والنهارده، الحبل لف حوالين رقبتها بجد.”
بعد ساعة، اتفتحت أبواب القاعة تاني. رجع المستشار وهيئة المحكمة لمنصة القضاء. الصمت ساد المكان، وفادية ومدحت واقفين في قفص الاتهام والكلبشات بتاكل في إيديهم، فادية كانت بتبكي بهستيريا وتنظر ليوسف برعب بعد ما فهمت إنه كان كاشفها من سنين ولعب بيها.
نطق المستشار بالحكم:
— “حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، بإحالة أوراق المتهمة فادية عبد الرحمن، والمتهم مدحت عبد الرحمن، إلى فضيلة مفتي الديار المصرية، لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما، بتهم الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد، ومحاولة الق*تل العمد بالسم، والتزوير والاستيلاء على أموال قاصر.. وتأجيل النطق بالحكم لجلسة الشهر القادم.”
صوت الصراخ والعويل ملى القاعة.. فادية وقعت على الأرض مغمى عليها، ومدحت كان بيلعنها ويلعن اليوم اللي عرفها فيه والحرّاس بيسحبوهم لزنزانة الحجز.
خرجت من باب المحكمة، الشمس كانت حامية بس لأول مرة من 10 سنين أحس إني قادر أتنفس بجد. يوسف كان ماشي جمبي، طوله بعمر رجل ناضج، ملامحه شبه أخويا الله يرحمه في كل حاجة.
وقفت قدام العربية، وبصيتله وقلت:
— “يوسف.. الشقة اللي على البحر.. أنا لغيت حجزها السنادي.. بس أنا عايزك أنت اللي تختار المكان المرة دي.. هنروح سوا، أنا وأنت وعيال عمك.. من فلوسي أنا يا ابني.. من تعبي وشقايا.. والمرة دي هنتصور وكلنا بنضحك بجد.”
يوسف ابتسم، المرة دي مكانتش ابتسامة وجع، كانت ابتسامة صافية، حط إيده في إيدي وقال:
— “جاهز يا عمو.. جهز شنطتك.. البحر مستنينا.”

