كنت عند ماما بروح أطمن 2

ملامح أمي اتجمدت، وبصت لي بشك وخوف وقالت: “إنتي… إنتي قصدك إيه يا هدى؟”
طلعت علبة الدهب من شنطتي، وحطيتها في إيدها وقفل عليها صوابعها وقلت: “هيام حكت لي كل حاجة يا ماما. حكت لي عن المعاش اللي واقف، وعن حقن ضهرك، وعن الأكل اللي بيدخل البيت ده بشروط ومواعيد، وعن طارق اللي فاكر إن فلوسه هتشتريه وتخليه يتحكم مين ياكل ومين يجوع في بيت بابا الله يرحمه.”
أمي لونها اتخطف، وشها بؤر وبقت تبص للعلبة ولعيوني بذهول، وبعدين هزت راسها بنفي وقالت بصوت مخنوق: “هيام… هيام قالتي لك؟ الله يسامحها! أنا قايلالها تموت ولا تنطق بكلمة! ليه يا هدى بتعملي كدة؟ إنتي ظروفك على قدك، والدهب ده مستقبلك ومستقبل عيالك، أنا ست كبرت وخلاص، فاضل لي في العمر إيه؟”
“فاضل لك كرامتك يا أمي!” صرخت بصوت مكتوم وأنا بمسك إيدها بكل قوتي. “فاضل لك إنك تقعدي في بيتك عزيزة مكرمة، محدش يمنّ عليكِ بلقمة، ولا يشرط عليكِ تطردي عيال بنتك من على السفيرة! الدهب ده يتباع النهارده، وهنروح بكره الصبح للمجمع والمحامين ونصلح أوراق المعاش المقفول، والفلوس اللي فاضلة هتكفيكِ وتغنيكِ عن جنيه واحد يدخله طارق بيتك!”
أمي حضنتني وبكت، بكاء طويل وعميق طلع كل حبسة النفَس اللي كانت شايلاها جوه صدرها بقالها ست شهور. قعدنا محضونين بعض يجي نص ساعة، لغاية ما الباب البراني اتفتح، وصوت خطوات تقيلة دخلت الصالة.
كان صوت طارق جوز هيام، وجايب معاه هيام ونازلين زيارتهم الأسبوعية أو جايين يطمنوا على الموقف بعد مكالمة الصبح.
سمعت صوت طارق وهو بيتكلم بنبرة فيها تعالٍ كالعادة: “يا حجة… يا حجة إنتي فين؟ أنا جيبت لك العلاج وجيبت طلبات البيت للأسبوع.”
بصيت لأمي، لقيتها اتنفضت من مكانها وتوترت تلقائياً، ده الخوف والكسرة اللي انغرسوا فيها بقالهم شهور. وقفت على حيل مسحت دموعي، وأخدت علبة الدهب في إيدي، وخرجت له الصالة.
طارق أول ما شافني اتفاجأ، وهيام كانت واقفة وراه وشها أصفر ومرعوبة من المواجهة. بص لي طارق وقال ببرود: “أهلاً يا هدى، إنتي هنا؟ كويس إنك هنا عشان تشيلي الطلبات مع هيام تحطوها في المطبخ.”
قربت منه بثبات، وقفت قصاده مباشرة، وبصيت في عينه بثقة وقلت بصوت واضح هز أركان الصالة: “الطلبات دي مش هتدخل المطبخ يا طارق… خد طلباتك وعلاجك وارجع بيهم بيتك.”



